هل يصح للغني أن يسقط إيجارات عقاراته ويخصمها من زكاة ماله؟
سؤال: رجل عنده مبلغ من المال وزكاته مائة ألف، وعنده بيوت مؤجرة أراد أن يأخذ إيجارها من المستأجرين فقالوا: ما عندنا بسبب الوضع فسامحنا، فقال: الإيجار الذي عليكم هو زكاة مالي فخصم من زكاة المائة ألف ، فهل يجوز له ذلك؟
الجواب
الإيجارات التي يتحملها المستأجر لصاحب العقار ويعجز عن أدائها لسبب وآخر تعتبر ديناً عليه، أي أنها دين على المستأجر، وقد اختلف الفقهاء في مسألة إسقاط الدين عن الفقير واحتساب ذلك من الزكاة، وتفصيلها كالتالي:
ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لَا يَجُوزُ لِلدَّائِنِ أَنْ يُسْقِطَ دَيْنَهُ عَنْ مَدِينِهِ الْفَقِيرِ الْمُعْسِرِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ مَا يَسُدُّ بِهِ دَيْنَهُ وَيَحْسِبَهُ مِنْ زَكَاةِ مَالِهِ، وإذا فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ الزَّكَاةِ.
هذا قاله الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالْمَالِكِيَّةُ، وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، بمعنى أنه المعتمد في المذاهب الأربعة، وَوَجْهُ الْمَنْعِ أَنَّ الزَّكَاةَ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى , فَلَا يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَصْرِفَهَا إلَى نَفْعِ نَفْسِهِ أَوْ إحْيَاءِ مَالِهِ , وَاسْتِيفَاءِ دَيْنِهِ وقبض إيجارات عقاره.
كما استدلّوا أيضاً أن الزكاة أخذ وعطاء لقوله تعالى: ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها) ولحديث ( أخبرهم أن الله أوجب عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم ) متفق عليه، والأخذ والعطاء يختلف عن الإسقاط والتجاوز.
كذلك يعتبر إسقاط الإيجار بمنزلة إخراج الخبيث من الطيب، وقد قال الله تعالى: ( ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله عني حميد ) ووجه ذلك أن المال الذي بيده طيب والمال الغائب أو المفقود أو الميؤوس منه مال خبيث فيعمد إلى إخراج الخبيث وهذا منهي عنه في الآية.
كذلك فإن إسقاط الإيجارات الميؤوس منها بمثابة إحياء وإثراء لماله الذي بيده ويعود نفع ذلك دنيوياً على الغني من خلال الزكاة، والزكاة عبادة مفروضة يتمخض أجرها في الآخرة، ولا يصح الاتجار بها واستثمارها دنيوياً من صاحبها الغني.
بينما ذهب الشَّافِعِيَّةُ فِي قَوْلٍ لهم وبعض الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ : إلَى جَوَازِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ دَفَعَ إلَيْهِ زَكَاتَهُ ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْهُ عَنْ دَيْنِهِ جَازَ , فَكَذَا هَذَا، انتهى، لكن هذا مشروط بأن يكون الساكن في العقار هو من مصارف الزكاة الثمانية فقير أو مسكين أو غارم…الخ.
كما أن الفقهاء اتفقوا على جواز أن يعطي الغني زكاته لذلك الفقير بأنه يصح أن يأخذها منه لقضاء دين أو سداد إيجار وذلك إذا كان غير مشترط ردها لقضاء الدين أو سداد إيجار.
الخلاصة من ذلك اتفاق المذاهب الأربعة في المعتمد عنهم على منع ذلك وأما من أجازه منهم فإنه أجازه بالشروط المذكورة، بينما للشافعي وبعض المالكية قول بجواز ذلك.