السلام عليكم و رحمة الله وبركاته. فضيلة الشيخ عيسى حفظكم الله، إني أود أن أسألك في حالتي التي والله بدأت أيأس منها، أرجو أن تقرأ ما كتبت فصدقني أحتاج إلى المساعدة في الحل لهذا الأمر.
الأمر يتعلق بأمي حفظها الله، فأنا أحبها حباً جماً، وهي كل شيء في حياتي بل ونورها المتلألئ، أقوم بأي شيء يرضيها لكن دون جدوى! منذ صغري وأنا أشعر بل وهي تشعرني بأني أعقها ولا أحترمها، وقد أنهك هذا الأمر نفسي وجعلني أخاف من غضب الله علي، رغم أني والله لم أفعل شيئاً، لكن المشكلة أن أمي تغضب بسرعة وهي صارمة جداً- لأبسط الأمور تغضب.
مثلاً تضع شيئاً في مكان ما، ولما تأتي تجده غيرنا مكانه نسياناً تبدأ بالصراخ وكأنها نهاية العالم! ليس هذا فحسب، إنما تهينني بعبارات صدقني، كلمات تفتك قلبي وتدمرني، صحيح أنها أمي والله أمرنا ببرها، وكذلك الرسول الكريم، صلى الله عليه وسلم، لكنها تقول لي أموراً تستصغرني جداً، فمثلاً: قولها إني فتاة مريضة عقلياً، وإني لا أصلح لشيء وإني بلهاء وغبية وأشياء أخرى أمام إخوتي، وحتى الأقرباء! إذ أصبحوا ينظرون إلي بإحراج.
في صغري كنت أقول في نفسي إن هذا طبيعي، وإن جميع الأمهات يفعلن هكذا لتربية أولادهن، لكن الآن وآنا في (21) سنة من عمري، أحتاج إلى الشعور بالكرامة كأي إنسان – والحمد لله لست مريضة عقلياً ولا فاشلة ولا شيء، بل بالعكس ففي كل عمل أقوم به أنجح وربما عباراتها الجارحة كانت حافزاً لي تزيدني قوة وإرادة لأريها أني ناجحة، ففي دراستي كنت دوماً الأولى في الصف وحتى الجميع يحبونني ويحترمونني – الآن آنا طالبة في كلية الطب والدراسة صعبة جدا ومجال الطب والجراحة خاصة يحتاج إلى الثقة بالنفس ومن يقف بجانبي- لكن أصبحت أشك في قدراتي وأرى الحياة بنظرة سوداوية وسلبية.
المشكلة أن إهانات أمي لي غرست الألم في روحي وتسقيه يوما بعد يوم ليكبر ويكون عميقاً-وقد انعكس هذا على حالتي النفسية وصرت لما أتحدث مع صديقاتي إذا قالت إحداهن شيئاً أحسبه فوراً إهانة—صرت أحتقر نفسي ولا أثق بها لأني تعودت على الإهانة بل وتعدى الأمر إلى الضرب، يعني يمكن ضرب طفل صغير لتأديبه إن كان شقياً لكن ليس فتاة في 21 سنة من عمرها لأتفه الأشياء!
لا أدري إن كان الإسلام ديننا العظيم يقدم رخصة لهذه الإهانات للأم لأنها أم وإنها يمكن أن تضرب أبناءها وتجرح شعورهم كما تشاء لأنها أم – فإن كان ديننا فيه أن هذا عادي سوف أحترم ذلك وأستغفر الله وأصبر وأدعو الله أن ييسر لي أمري –أرجوك اخبرني ماذا أفعل؟ لأني كلما حاولت أن أحدثها بهدوء وأقول لها لماذا تفعلين هذا؟ وأن كل إنسان يمكن أن يخطئ لا يعني هذا فشله تقول لي: أنت ابنتي وسأقول لك ما أشاء ما دمت في بيتي وتحت رعايتي وتعتبر رفضي للضرب والإهانة قلة احترام لها.
يعني إن قدر لي الله أن أبقى في بيت والدي طيلة حياتي سأضطر إلى العيش في هذه الحالة المؤلمة. أرجوك أن تقول لي هل أنا بهذه الطريقة أعتبر عاقة لأمي؟ وهل الله سيغضب مني.
أرجو منك الإجابة على السؤال، لأني صدقني يائسة جداً، ولا أدري ما الحل؟ وشكرا ًجزيلاً.
__________________________________
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: نرحب بكم في موقعكم ( لمن اهتدى )، وإنه ليسعدنا اتصالكم بالموقع في أي وقت وحين وفي أي موضوع، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق لخير العمل وعمل الخير، وندعوه سبحانه أن يحقق لنا ولكم الصدق والإخلاص في كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، كما نسأله سبحانه أن يهدي أمك لحسن الرفق بك ويرزقك برها والإحسان إليها.
وبخصوص سؤالك عن الأم ومعاملتها لك، الحمد لله أنك ذكرت جانبا مهما للغاية من الإيجابيات، وهو أن كلماتها شاركت في تحفيزك ونشاطك وكانت دافعا لك للنجاح وزادتك قوة في بلوغ هدفك، كما ذكرت حتى صرت من الأوائل في دراستك، ومحبوبة عند الجميع، ولا أراه إلا جزاء لك من الله تعالى مقابل صبرك واحتسابك الأجر ببرك لأمك حفظها الله وهداها، وهكذا المرأة المؤمنة تحول المحنة إلى منحة.
الذي أقوله لك خروجاً من هذا التفكير الذي ترينه مأزقاً يتلخص فيما يلي:
أولاً: لا بد من أن تري أمك برك الكامل لها في القول وفي الفعل بما يقره منهج الإسلام حتى لا يبقى لها حجة في إيذائك.
ثانيا: اجتهدي في الدعاء والابتهال إلى الله سبحانه القادر أن يهدي أمك لمحبتك وحسن الكلام معك، فإنه سبحانه أمر بالدعاء ووعد بالإجابة.
ثالثاً: قد يكون يعتري أمك نوع من الجهل الموروث عند البعض والتقليد الاجتماعي في فعلها فيما اعتاده بعض الناس اجتماعياً أن الأم تنهر ابنتها كثيراً ظنا منهم أن ذلك هو السبيل في تربيتها والحفاظ على كرامتها، فعليك أن تعلميها برفق ولين أن التأنيب والضرب ليس هو الحل في كل شيء لا سيما وأنت قد تجاوزت عشرين ربيعاً، وليس اللفظ المهين صالحاً في التربية.
رابعاً: بإمكانك الجلوس معها وتقبيل رأسها في حال هدوء وسؤالها لماذا تعمل هكذا معك؟ ويكون كلامك معها كما علمنا القرآن الكريم الذي يهدي للتي هي أقوم ( فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما).
خامساً: ممكن أن يكون لك حضور كثير في تحفيظ القرآن مع النساء الصالحات، حتى تستعيضي كثرة وجودك أماها فتشعر بفقدك نوعاً ما، فيحملها ذلك على العطف وتتحرك في نفسيتها الرحمة التي هي من طبع الأمهات، فتحسن الرفق بك.
سادساً: بإماكنك الاستعانة بخالك مثلاً والذي هو أخوها أو بأبيك الذي هو زوجها إن كانا موجودين، أو غيرهما ممن يؤثر على أمك كالخالة والعمة والصديقة لنصحها ولو بطريق غير مباشر حتى تتخلص من أسلوبها الشديد، فتحسن المناجاة معك ومع غيرك. أسأل الله بأسمائه وصفاته أن يصلح أحوالنا وأحوالكم وأحوال جميع المسلمين والمسلمات. وبالله التوفيق.