خطبة مكتوبة بعنوان: ( هذه الدنيا هي الفرصة الوحيدة للعمل الصالح)
الحمد لله …
الخطبة بعنوان: ( هذه الدنيا هي الفرصة الوحيدة للعمل الصالح)
مراحل للإنسان وفرصة العمل الصالح
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
أيها الناس لقد جعل الله تبارك وتعالى هذه الحياة الدنيا هي الفرصة الوحيدة للعمل الصالح، فلا توجد فرصة غيرها، حتى ندرك أيها المسلمون قيمة حياتنا في الدنيا فلنجعل نصب أعيينا بتكرار التأمل أنها الفرصة الوحيدة للعمل الصالح.
لكل إنسان مراحل تحدث عنها القرآن الكريم في كثير من سوره وآياته، كما تحدثت عن ذلك الأحاديث النبوية، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ولقد جاء ذكر كل المراحل في كثير من سور وآيات القرآن وجمعت في سورة المؤمنون، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن سُلَالَةٍ مِّن طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَاماً فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْماً ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ).
إن لتحدث القرآن الكريم عن هذه المراحل الكثير من الأمور العظيمة النفع لمن تأملها، منها الإخبار بعظمة الله وربوبيته وأنه المستحق للعبادة وحده لا شريك له، ومن تلك الأمور المفيدة للتأمل الحديث عن مراحل الإنسان.
إن مرحلة: ما قبل الحياة الدنيا من عالم الغيب ثم مرحلة الأجنة والإنسان جنين في بطن أمه، وتتبعها مرحلة: الطفولة، وهي منذ خروجه من بطن أمه إلى أن يبلغ مرحلة الرشد، أي مرحلة البلوغ، وكذلك مرحلة ما بعد الحياة الدنيا من عالم البرزخ ثم البعث والنشور والقيام لرب العالمين يوم تقوم القيامة، كلها مراحل لا توجد فيها أي فرصة للعمل الصالح البتة، إلا مرحلة الحياة الدنيوية، وهذه المرحلة: وهي من البلوغ إلى أن يموت، فمن رحمة الله وفضله وإحسانه أن التكليف في هذه المرحلة يبدأ عند البلوغ، وفي حال لا توجد موانع من تكليفه من ذهاب عقل أو وجود إكراه أو أي عائق يحول دون التكليف.
فإذا انتهت أيها الإنسان حياتك الدنيا بالموت فقد انتهت فرصتك، قال تعالى: ( حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت) ولكن يأتي الجواب رادعاً ومزلزلاً، (كلا إنها كلمة هو قائلها ومن ورائهم برزخ إلى يوم يبعثون )، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له) رواه مسلم.
إنها فرصة العمل الصالح أيها المسسلمون، قال تعالى: (وقال الذي آمن يا قوم اتبعون أهدكم سبيل الرشاد يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار* من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها ومن عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب).
إننا ندرك عند التأمل في هذه المراحل أن الإنسان يؤمر وينهى ويدعى إلى عبادة الله وجوباً مفروضاً، وتكون له فرصة للعمل الصالح وذلك في جزء من مرحلة الحياة الدنيوية، فلا يدعى إلى ذلك في هذه المرحلة إلا بعد بلوغه أشده، ولا يدعى بعد بلوغه أشده إلا في حال طاقته ووسع استطاعته البشرية، فتبارك الله الذي جعل الإنسان لا يجد لنفسه أي عتب على خالقه وباريه (سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين).
أيها المسلمون إنه ما من إنسان يدرك مصلحته العاجلة إلا ويخوض غمار البحث عنها ويبادر للمشاركة في التجارة والاستثمار ساعة إتاحتها فوراً دون تأخر، فلو أعلن عن اكتتاب في شركة ناجحة في الاستثمار ولمدة محددة من تأريخ كذا لتأريخ كذا، فلا يوجد مجال للاكتتاب بعد انتهاء التأريخ المحدود، لحصل البدار في المشاركة وما إن تتاح الفرصة للإنسان لذلك إلا ويبادر بكل ما أوتي من قوة ولو كلفه ذلك وقتاً وسفراً وتضحية، فالألف يتحول إلى عشرة آلاف ثم إلى سبعمائة ألف وإلى الملايين والثراء الكثير.
هذا أمر غاية في الجمال حين ينحصر في الحلال، ولكن لا يجوز أن يكون ذلك على حساب ترك الأعمال الصالحة والغفلة عنها والنظر إليها في أضعف الهوامش، فتأملوا عباد الله أن هذه الدنيا هي تلك الشركة التجارية، فالأعمال الصالحة هي رصيد الآخرة، الحنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ننبه أنفسنا لذلك لأن كثيراً من الناس يغفلون عن رصيد الآخرة منشغلين عنها فإذا جاء الموت يتمنى الغافل العودة والفرصة، (قال رب ارجعون لعلي أعمل صالحاً فيما تركت كلا) ويقول: ( لولا أخرتني إلى أجل قريب)، بل ويظل هاجس التمني للعمل الصالح ملازماً للظالم عند الموت كما في هذه الآيات وأيضا في الآخرة يتحسر من لا عمل صالح له، (يقول يا ليتني قدمت لحياتي) يوم أن تدك الأرض دكاً دكاً في ذلك اليوم العظيم، (يتذكر الإنسان وأنى له الذكرى) وكلمة ( أنى ) تعني في هذا السياق الاستبعاد وتمني المستحيل، يقول: ياليتني ممن قدموا لأنسهم أعمالاً صالحة في الأيام الخالية لتكون زاداً لهم في الآخرة.
بل حين يدخل الظالمون في نار جهنم يقولون: (وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُم مَّا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَن تَذَكَّرَ وَجَاءكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِن نَّصِيرٍ). أستغفر الله لي ولكم ولسائر أمة الإسلام.
الخطبة الصانية.
الحمد لله…
أيها الناس: لقد ذكر أهل التأريخ والسير كالإمام الذهبي وابن حجر، في ترجمة الحسن البصري رحمه الله أنه خرج في جنازة فلما تم دفنها قال للحاضرين معه: هل يستطيع هذا الميت أن يرجع للحياة الدنيا ليعمل صالحاً ؟ قالوا لا يستطيع فإنه قد مات، فقال: أنتم مستطيعون فأكثروا من العمل الصالح قبل أن يصيبكم ما أصابه!
بادرواعباد الله، سابقوا سارعوا للعمل الصالح، قال عز وجل: ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون)، وقال تعالى: ( من عمل صالحاً فلنفسه ومن أساء فعليها ) وقال: ( وأن ليس للإنسان إلا ما سعى * وأن سعيه سوف يرى * ثم يجزاه الجزاء الأوفى * وأن إلى ربك المنتهى)
اللهم اجعلنا من عبادك الصالحين وأوليائك المقربين الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون الذين آمنوا وكانوا يتقون