أيها المسلمون: تعيش الأمة الإسلامية هذه الأيام أيام الحج وتطل على الأمة الإسلامية العشر من ذي الحجة، وهي أفضل أيام السنة، لأنها جمعت أمهات العبادات، ففيها يلهج المسلمون بتوحيد الله وتعظيمه وتكبيره، وفيها يحافظون على صلواتهم وفيها يستحب الصيام، وفيها يزكي أرباب الأموال زكاة أموالهم، وفيها يحج الحجاج ويعتمر المعتمرون، وفيها يتواصل الأرحام ويتزاورون، وفيها يتصدق المتصدقون، وفيها يسارع المتقون إلى القيام بالأعمال الصالحة الواجبة ويتزودون من نوافلها.
عباد الله، إن وصول المسلم إلى هذه الأيام المباركة يعتبر من أعظم النعم، وأكبر الفضائل إن هو اغتنمها فيما يحبه الله ويرضاه، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ما من أيام العمل الصالح فيها خير وأحب إلى الله منه في العشر من ذي الحجة، قالوا ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله إلا من خرج بماله ونفسه ثم لم يرجع من ذلك بشيء) رواه البخاري.
إن فضل هذه الأيام المباركة ليس مخصوصاً بالحجاج بل يعم فضلها الحجاج وكل المؤمنين في أسقاع الأرض، حيثما حلوا وحيثما ارتحلوا، وإن من أعظم الذكرى التي أنزلها الله على عباده في أيام الحج التذكير بالتزود من التقوى التي تثمر الأعمال الصالحة، قال تعالى: (وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) وإذا كانت التقوى هي خير الزاد فهي أيضاً خير اللباس، كما قال تعالى: (وَلِبَاسُ التَّقْوَىَ ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ)، وكلمة خير في الآيتين بمعنى أخير، وأخير من أفعل التفضيل الدالة على التعظيم والزيادة، فالغنيمة في العشر الأولى من ذي الحجة بالأعمال الصالحة، وإن الإنسان بلا عمل صالح يعد في خسر، ولا ينجو من الخسارة إلا بالأعمال الصالحة التي تنم عن صدق إيمانه بالله وصبره ومصابرته في التزام الحق، كما قال الله عز وجل: (وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ *)
كما أنه في أسفل سافلين ولا يرتفع إلا بالإيمان والعمل الصالح، قال تعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ * ).
ولا يكاد يذكر المؤمنون في القرآن إلا ويوصفون بالأعمال الصالحة، وفي الحديث ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله) متفق عليه.
أيها الناس لعل قائلاً يقول: ما هو المراد بالأعمال الصالحة في العشر من ذي الحجة؟ إن المراد بالأعمال الصالحة يتناول ما اعتاد عيه المسلم من تعظيم الله ودوام الطهارة والتبكير للصلاة وأدائها في جماعة بالنسبة للرجال، كذلك من الأعمال الصالحة للمسلمين والمسلمات الزكاة والصدقات، ومن الأعمال الصالحة لأمة الإسلام الصيام، ففي الحديث يقول صلى الله عليه وسلم: ( من صام يوماً في سبيل الله باعد الله عن وجهه النار سبعين خريفاً) رواه الترمذي بسند صحيح، وهذا معناه أن من صام يومين فالأجر أعظم ومن صام ثلاثة أيام فالأجر أكثر، فهي سنة تقريرية، كقوله ( صم من كل شهر ثلاثة أيام صم من كل شهر عشرة أيام، صم يوماً وأفطر يومين، إلى أن قال أفضل الصيام صيام نبي الله داوود كان يصوم يوماً ويفطر يوماً) متفق عليه.
ومن الأعمال الصالحة الحج والعمرة ومن الأعمال الصالحة قراءة القرآن والإكثار من الاستغفار والتوبة والتهليل والتكبير والدعاء والتسبيح والتحميد، ففي الحديث يقول النبي صلى الله عليه وسلم حين ذكر العشر من ذي الحجة: ( فأكثروا فيهن من التكبير والتهليل والتسبيح) ومن الأعمال الصالحة الأضحية ، وأفتى العلماء بأن أداء الأضحية في أول أيام العيد وهو يوم النحر أفضل من أدائها في أيام التشريق، لأن يوم النحر من أيام العشر من ذي الحجة، ومن الأعمال الصالحة صلة الرحم وبر الوالدين أحياء وأمواتاً، ومن بر الأموات صلة قرابتهم وأصدقائهم، ( إن من أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه) ومن برهم قضاء ديونهم وإنفاذ وصيتهم وقضاء صيامهم وحجهم والدعاء لهم.