السلام عليكم
ما هي أسباب الثبات والاستقامة؟ وما هي أسباب ترك الاستقامة؟ فأنا رجل منذ سبع سنين أطلب العلم الشرعي بحمد الله وأتلمس طريق الحق لكن منذ عامين بدأ قلبي بالتغير وأصابته قسوة فتركت قيام الليل والسنن الراتبة وصيام التطوع وتركت حلق العلم وصرت أطلق بصري ولا أغضه
وأشعر أني على شفير هاوية
أرجو من فضيلتكم إرشادي بارك الله فيكم
الجواب
إن من زكاة النفس ومن تزكيتها ومن صفاء القلوب وانشراح الصدور: التمسك بقيم الاسلام وثوابته والاستقامة والثبات في زمن المتغيرات، والشبهات
المسلم الحق بحاجة إلى أن يستمسك بمبادئ الإسلام وثوابته ومنهجه، وبتعاليم الشريعة الإسلامية الطاهرة، فأحوج ما يحتاجه المسلمون: الاستقامة والثبات في زمن المتغيرات، وفي عصر انتشار الشبهات التي شككت كثيرًا من الناس في منهجهم وحالت دون استمساكهم بمبادئهم التي جاء بها شرع الله سبحانه وتعالى، فالاستقامة عباد الله أعظم ما ينشده المسلمون، وأعظم ما يعتز به المؤمنون، أن يكونوا مستقيمين ثابتين على ما جاءهم به الشرع المطهر في الأخلاق والسلوك في العبادات والمعاملات، لأنهم استمسكوا بالمعتقد الصحيح السليم الذي عاشوا به سعداء، فالله جل وعلا يقول في كتابه الكريم: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ المَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآَخِرَةِ) {فصِّلت:30، 31} }.
يرسل الله جل وعلا ملائكته ليتولوا أمر المستمسكين بالشرع، ليتولوا أمر المستقيمين الثابتين بإسلامهم وأخلاقهم وإيمانهم، حين أقاموا أخلاقهم عن عقيدة راسخة التي تعلموها من شرع الله، وأخذوها من ميراث رسول الله صلى الله عليه وسلم، لأنهم استمسكوا بالعزة الإسلامية، وكانوا من أهل الاعتزاز بدين الله، فالعزة لله سبحانه وتعالى، إذ يقول في كتابه الكريم: (وَللهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ )
ما هي العزة للمؤمنين هنا؟ ليست في كثرة مال ولا في طول عمر للبشرية، ولا بمناصب عالية دنيوية عاجلة، وإنما يوم أن يعتزوا بتعاليم شرع الله سبحانه وتعالى، حين يتبعون تعاليم القرآن الكريم والسنة النبوية، يتبعون الوحي المنزل من عند الله الذي لا يتغير تحت مظلة تجديد الخطاب، ولا يتغير بتغير البيئة، وما يسمى بالحضارة، ولا يتغير باستمرار الزمن وتقلب الليالي والأيام وانتهاء الأشهر والأعوام، ذلك لأنه دين حفظه الله تعالى، قال تعالى: ( إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) وقال: (لَا يَأْتِيهِ البَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) {فصِّلت:42}.
الاستقامة والثبات بهذه المبادئ العظيمة والمنهج القويم في كتاب الله وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام مهما كثرت العلوم الدنيوية وأصبحت ثورات علمية متتابعة، ومع ذلك لا تقوى أن تغير تعاليم الإسلام، مهما كثرت الصناعات والتطورات والاكتشافات فإنها لا تقوى أن تغير العقيدة الراسخة التي مات عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربّى عليها أمته في حياته الشريفة، إنها عقيدة التوحيد الخالصة لله سبحانه والاتباع الصادق لرسول الله صلى الله عليه وسلم، والمحبة الإيمانية لصحابة الرسول صلى الله عليه وسلم، ولأنصارالله سبحانه الذين آمنوا بالله وبرسوله ونصروا الدين ونشروا الشريعة الإسلامية في الآفاق، اتبعوا الوحي بقلوبهم وأنفسهم، ثم حفظوه وعملوا به ودعوا إليه وصبروا في سبيله، ذلك هو الأمان من جميع مضلات الفتن، كما قال الله عز وجل: {وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)
الثبات مهما كانت المتغيرات هي دعوة الأنبياء والمرسلين، طريقة النبي عليه الصلاة والسلام، ومنهج الأنبياء من قبله، عليهم الصلاة والسلام، الاستمساك بالعقيدة الراسخة، فالمتأمل في دعوة النبي عليه الصلاة والسلام في شتى مناحي الحياة يجدها قائمة على هذا المنهج القويم، منهج الاستقامة والثبات (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ){فصِّلت:6}، (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ولا تطغوا)سورة هود (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ){الشُّورى:15}، (وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا * وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا * إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الحَيَاةِ وَضِعْفَ المَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا) {الإسراء:73 – 75}.
أقبل أخي في الله إلى الثبات مهما كانت المتغيرات والتقلبات، ألا وإن الدعوة إلى الثبات هي منهج الرسول صلى الله عليه وسلم، فقد جاء سفيان بن عبد الله أبو عمروالثقفي رضي الله عنه فقال يا رسول الله: (قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحدًا بعدك؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: (قل آمنت بالله فاستم ، أو قال: ثم استقم).
إيمان واستقامة على ذلك، فلا تقديم لأي تنازلات مهما كانت الأسباب ومهما كانت العطاءات الدنيوية الفانية، ومهما كانت المعطيات والظروف، فإن الثبات على دين الله سبحانه وتعالى هو دأب المخلصين المؤمنين الصادقين مع الله، الذين بشرهم الله عز وجل بالأمن في ماضيهم وفي مستقبلهم (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ){الأحقاف:13}.
إن المتأمل في ثقافة وما يسمى بثقافة وحضارة أعداء الإسلام أنهم يودون أن يترك المسلمون هذا المبدأ وهذا المنهج وهو الاستقامة والثبات على دين الله، فيقوم الأعداء بغزو المسلمين عن طريق اللغة ليجعلوا لغة الإسلام (اللغة العربية) من اللغات المنحطة التي لا تعتبر في الحياة الحضارية، ليستبدلوها بلغتهم وليغزوا المسلمين عن طريق اللغة.
إن تعلم اللغات لا ينكره الإسلام، فهو أمر مطلوب، ولكن لا يكون على حساب هدم اللغة العربية، فلا يُبنى بيتٌ على حساب هدم بيت شامخ، فلاحاجة أن يقام بناء على أنقاض آخر، وإنما يبنى بجانبه ويستغله المسلمون في خدمة دينهم ومصالحهم التى شرعها الإسلام وأباحها، فلذلك الإسلام يُحفظ بحفظ لغته وبحفظ أخلاقه ومبادئه ومناهجه.
يقوى الأعداء على غزو المسلمين عن طريق أخلاقهم، عن طريق الأخلاق ليغيروها إلى أخلاق منحطة متمثلة في خلع اللباس ونبذ الحياء والإيمان والتقوى، ليصلوا بهم إلى الإغراق والغرق في مستنقعات الشهوات المحرمة والملذات المنحرفة التي ينكرها الإسلام. يقوى الأعداء حين يغزون المسلمين عن طريق اقتصادهم، فيوقعونهم في الاقتصادات المحرمة التي حرمها الإسلام، والإسلام يحثهم على الاقتصادات الشرعية الإسلامية القائمة على العدل والإنصاف والحق والهدى. يغزو الأعداء المسلمين عن طريق عقيدتهم، فيستميلونهم إلى أن يتنازلوا عن كثير من المبادئ الإسلامية تحت مسميات اتفاق الأديان أو تقارب الأديان أو ما شابه ذلك من المسميات المخترعة، والله يقول في كتابه الكريم: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآَخِرَةِ مِنَ الخَاسِرِينَ) {آل عمران:85}.
حقًّا إن الإسلام هو دين الهدى والدين الصحيح الذي قرره الله سبحانه وتعالى وجعله منة ونعمة، فأي أخلاق تخالف أخلاق الإسلام فإنها ليست من الإسلام، إذا أُقيمت في وجه الإسلام لتشاققه وتخالفه وتزدريه فإنها أخلاق منحرفة بعيدة عن منهج الإسلام.
ألا فالنتق الله عباد الله، ولنحافظ على ثباتنا وأخلاقنا، وفي الحفاظ على لغتنا ومبادئنا واعتزازنا بديننا وافتخارنا بقرآننا وبسنة نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي ذلك الفوز والفلاح والسعادة والنجاح في الدنيا والآخرة.