الحمد لله الذي أنزل الكتاب مبينا.. والصلاة والسلام على الرسول الحريص علينا.. وعلى والديه وآله وصحبه ومحبيه وجنده وحزبه.
“هذا العمل بدعة لم يفعله النبي ولا الصحابة ولا السلف الصالح”.
لقد مللنا من سماع هذه العبارة من بعض المتدينين، الذين ضيقوا علينا وعلى أنفسهم.
إن مشكلتهم –في ظني- هو سوء فهمهم للقضايا الأربع التالية:
تعريف البدعة.
القياس على الأصول الثابتة في الدين.
مفهوم سنة الترك.
مفهوم التخصيص في العبادة.
لذلك وجب علينا وباختصار شديد تبيينها لهم لعل الله يهدينا ويهدي بنا، فنقول مستعينين بالله مستنيرين بنور سيدنا رسول الله عليه صلى الله…
(ما هي البدعـــــة؟)
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “إياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة” (سنن أبي داود ح.ر 2042).
إن البدعة المنصوص عليها في الحديث هي ما تؤدي إلى الضلال الذي يؤدي إلى دخول النار وبئس القرار.
إنها بدع المعتقدات الباطلة المناقضة والمخالفة لعقيدة التوحيد.
ويقول نبينا صلوات الله عليه: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” (مسند أحمد ح.ر 26372).
إذاً فالحديث ينكر المحدث الذي ليس من الدين (ما ليس منه) أما إن كان من الدين فهو بالتأكيد مقبول وليس مردودا.
إنه ما يسمى بـ (القياس على أصل ثابت في الدين) أو (المصلحة المرسلة).
كقياس تحريم المخدرات على تحريم الخمر بجامع الإسكار فيهما مع أن المخدرات لم تكن أيام النبي صلى الله عليه ولم ينص الدليل على تحريمها.
فكذا مثلا استخدام مكبرات الصوت في الأذان حكمه الاستحباب لكونها تساعد على إيصال الأذان كما كان المؤذنون زمن النبي صلى الله عليه يصعدون على سطوح البيوت للعلة ذاتها.
وبذلك يتبين لنا أن البدعة نوعان: محمودة ومذمومة (حسنة وسيئة) كما يوضحها الحديث التالي:
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيء». (مسلم ح.ر 2398)
قال الشافعي رحمه الله تعالى: “المحدثات من الأمور ضربان: أحدهما ما أحدث يخالف كتابا أو سنة أو اجماعا أو أثرا فهذه البدعة الضلالة ،، والثاني ما أحدث من الخير لا خلاف فيه لواحد من هذا فهي محدثة غير مذمومة وقد قال عمر رضى الله عنه في قيام شهر رمضان نعمت البدعة هذه يعني إنها محدثة لم تكن وإذا كانت فليس فيها رد لما مضى”. (الباعث على إنكار البدع والحوادث لأبي شامة ص: 23)
(ما هي سنة الــــــتــــرك؟)
ليس كل ما لم يفعله النبي أو الصحابة يعد محرما أو بدعة، بل بحسب مقصد الفاعل ونيته، وهل هو أمر فيه منفعة أو مفسدة.
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
“إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودا فلا تعتدوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها”. (الطبراني في معجمه الكبير ح.ر 18035)
أمثلة على أعمال خير نعملها اليوم لم يعملها النبي صلوات الله عليه مع مقدرته على ذلك:
بناء المنارات على المساجد.
الدورات الصيفية لتعليم القرآن والشريعة.
بناء المعاهد والكليات لتعليم الشريعة.
ختم القرآن بصلاة القيام.
بناء دور للأيتام أو جمعيات تعتني بهم.
بناء دور لتأهيل ورعاية الصم والبكم وذوي القدرات الخاصة.
(ما هو مفهوم تخصيص العبادة؟)
لا حجة في القول: إن تخصيص يوم بالعبادة يؤدي إلى التحريم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال لبلال: « يا بلال حدثني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فإني سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة» قال: ما عملت عملا أرجى عندي: أني لم أتطهر طهورا، في ساعة ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الطهور ما كتب لي أن أصلي. (البخاري ح.ر 1098)
فسيدنا بلال ابتدع هذه الصلاة (صلاة الطهارة) وخصص لها موعدا بغير إذن من النبي ولا علم منه، وقد تقبل الله منه هذه الصلاة وأدخله الجنة وهو ما يزال حيا كرامة له، ولم يعلم النبي من بلال بل وحيا من الله فلم يغضب عليه ولم يتهمه بالابتداع بالدين بل أيده وأقره كقاعدة عامة أن كل عمل فيه خير وكان من جنس الأعمال المشروعة فلا حرج على من يبتدعه أو يعمل به بل يثاب ويؤجر.
هذا .. والله ورسوله أعلم
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم
أخوكم / جلال الشميري
السؤال: السلام عليكم ورحمة
ما هو رأيكم الكريم في هذا المقال؟!
الجواب
تعقيباً على مقال جلال الشميري أقول: لا شك أن البدع التي هي مخالفة لمنهج الإسلام تختلف عن بعض منها البدع المكفرة كبدعة الرافضة وغلاة التصوف، ومنها البدع المفسقة كبدع بعض المتصوفة، ومنها بدع دون ذلك، وهذا بخلاف الإبداع الذي يقره الإسلام.
بناء عليه فالمقال للكاتب جلال الشميري محاولة منه مطروحة ويقبل منها جوانب إن كان ذلك يفهم في حدود الفقه الإسلامي، ولكن لربما بعض العامة يفهمه فهماً خاطئاً فيقع في التوسع، ويقع في بدعة دون تقييد فقهي يقره فهم الفقهاء.
فيلزم التنبيه، ويبقى الاجتهاد عند المؤهلين للاجتهاد، وأما العامي فيقلد الفقيه الثقة.