خطبة مكتوبة بعنوان ( إلا من أتى الله بقلب سليم)

الحمد لله…

أيها الناس : في غمرة ما يعيشه الناس في المجتمعات والتي تداخلت فيها الثقافات واختلفت فيها الفكرات والعقليات وكثرت فيها جوانب الضلالات والجهالات وانتشرت في أوساطها الشبهات، وطغت فيها الشهوات في خضم ذلك يغفل كثير من المسلمين عن أهمية الحرص على سبب دوام صلاح أعمالهم ودوام استقامة أخلاقهم ورشد معاملاتهم فتغزو تلك تلك الضلالات والشبهات كثيراً من القلوب فتصيبها بمختلف الأمراض في حين غفلة وإهمال من أصحاب تلك القلوب، وقد كشف النبي صلى الله عليه وسلم عن أهمية هذه الحقيقة العظيمة فقال: ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب) متفق عليه عن النعمان بن بشير رضي الله عنه، فصلاح القلب هو السر في اتزان الأعمال واستقامة الأخلاق وسلامة تصرف الجوارح، ففي هذا الحديث الشريف تنبيه من رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل مسلم أن يولي اهتماماً بالغاً لصلاح قلبه فصلاح القلب أعظم ثروة وأعظم رصيد يدخره المسلم والمسلمة فصلاح القلب سبب في صحة السير ورشد التصرف، وأخبر الله جل وعلا أن السلامة في الآخرة أيضاً مرهونة بصلاح القلب وسلامته بغض النظر عن كل ما عدى ذلك من متاع الدنيا فقال تبارك وتعالى: ( يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم) : ولم سئل النبي صلى الله عن أفضل الناس فماذا قال: قيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أي الناس أفضل؟ قال: ( كل مخموم القلب، صدوق اللسان) قالوا: صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: ( هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد)، فهي دعوة إلى سلامة وصلاح القلب بأن يتخلى عن كل صفة ذميمة ويتحلى بكل صفة طيبة، فالعملية إذن هي عملية تخلية وتحلية، أن تخلي قلبك أيها المسلم من العقيدة الفاسدة ومن النفاق ومن الرياء والكبر والغرور والحسد والحقد والغل وأن تحليه بالعقيدة الصالحة النافعة الصحيحة وبالحب في الله والوالاء والبراء وفق مرضات الله، فالأعمال الصالحة لا بد أن تكون ناشئة من قلب صالح سليم من قلب حي يقظ، فلا معنى لقول من طرف اللسان مع خلافه في القلب فتلازم صلاح القلب مع الجوارح كتلازم أصل الشجرة الطيبة مع أغصانها الجميلة وثمارها النافعة، ( أصلها ثابت وفرعها في السماء تؤتي اكلها كل حين بإذن ربها ) ومن الأدلة على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم ( ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه عن أنس رضي الله عنه  والوجد يكون في القلب.

ألا واعملوا عباد الله أن محل نظر الله عز وجل يكون إلى القلب والعمل ، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعماكم) رواه مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه، نعم هناك جزئيات من التقوى حسب جزئات الجوارح لكن تقوى القلب هي الأصل لكل الجوارح، لأن تقوى القلب تعني التعظيم لشعائر الله، (ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب) فالقلب موطن التقوى، قال صلى الله عليه وسلم :( التقوى ها هنا) وأشار صلى الله عليه وسلم إلى صدره ثلاث مرات. فالقلب المطمئن مشرق بالإيمان، ينساق دائما إلى الحق والعدل، والخير والفضل وبحسن قصد ونية، وإن صلاح القلب أمره عظيم, وأثره عميم، وقد اعتنى الشرع الحكيم بالقلوب، ودعا إلى تطهيرها وتنقيتها.

قد قلت ما سمعتم ….

الخطبة الثانية

أيها المسلمون: إن لحياة القلب وصحته طرقا وأسبابا، وأفضل ذلك إقبال صاحبه على كتاب الله قراءة وتدبرا، وفهما وتفكرا, ففيه الشفاء والهدى، والنور لمن اهتدى، كما قال سبحانه:( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين). فالقرآن الكريم فيه أبلغ المواعظ وأجلها, وأنفع الأدوية للقلوب وأصحها, قال الله تعالى:( أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها). وقال سبحانه:( إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم). فالذكر يقوي الإيمان في القلب, ويبعث فيه السكينة والطمأنينة, قال الله تعالى:( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب). والذكر يبعث الحياة في القلوب, ويشفيها من آثار الذنوب, قال النبي صلى الله عليه وسلم :« مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر مثل الحي والميت». وإقبال القلب على الله سبحانه، والتضرع إليه من أسباب إجابة الدعاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :« ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاه».

والدعاء من أهم أسباب ثبات القلوب واستقامتها، وقلة تقلبها، كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول:( يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك). فقال أنس رضي الله عنه: يا رسول الله آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال:( نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله يقلبها كيف يشاء) وكان إذا حلف قال: ( لا ومقلب القلوب).

ألا وإن مجالسة الأخيار، ومصاحبة الأبرار من أسباب سلامة القلب؛ فهم ينتقون أطايب الكلام، كما تنتقى أطايب الثمر, فتنزل كلماتهم على القلوب بردا وسلاما، فتزيدها صفاء وإيمانا، وقد أوصى الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم بالتزام الصحبة الصالحة؛ فقال:( واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا)، وقال: ( فأعرض عن من تولى عن ذكرنا ولم يرد إلا الحياة الدنيا ذلك مبلغهم من العلم). فالصالحون يدلونك على الطاعة, ويعينونك على مكارم الأخلاق والإحسان، بخلاف الغافلين.

فإذا سلم القلب وصفا، ظهر أثره على الأعمال فاستقامت, فتجد صاحب القلب السليم ينعم في الدنيا بالراحة والسكينة, والهدوء والطمأنينة, ويحب للناس ما يحب لنفسه، ويدعو لهم بالخير، ولولم يرهم في الدنيا بأن ماتوا من قبل من الأنبياء والمرسلين والصحابة والتابعين، قال الله تعالى:( والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم). فهل بلغت هذه التوجيهات من القرآن والسنة آذاناً صاغية وقلوباً واعية، ذلك الذي نرجوا ونأمل فعلينا بلزوم الصدق وصالح العمل، ( إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد).

اللهم اغفر لنا اللهم أصلح قلوبنا وأعمالنا…

( عيسى يحيى معافا)

   موقع لمن اهتدى