الحَمْدُ للهِ…
أيها الناس: اعلَمُوا -رَحِمَكُمُ اللهُ- أَنَّ اللهَ قَدْ شَرَّفَكُم بِدِينٍ فِيهِ سَعادَتُكُمْ، وأَكْرَمَكُمْ بِمَنهَجٍ فِيهِ فَوزُكُمْ ونَجاتُكُم، دِينُ الرَّحْمَةِ والتَّكافُلِ والتَّناصُرِ، دِينُ الأُخُوَّةِ والتَّعاوُنِ والتَّآزُرِ، قَالَ تَعالَى: (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)، دِينٌ سَعِدَتْ بِهِ البَشَرِيَّةُ، واستَراحَتْ بِرَوائِعِ تَشْرِيعاتِهِ الإِنسَانِيَّةُ، غَرَسَ فِي قُلُوبِ المُؤمِنينَ مَبْدأَ التَّراحُمِ والإِحْساسِ بِبُنْيَةِ الجَسَدِ الواحِدِ، فَعَنْ النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال قال رَسُولِ الله صلى الله عليه وسلمَ: (مَثَلُ المُؤمِنينَ فِي تَوادِّهِمْ وتَراحُمِهِمْ وتَعاطُفِهِمْ كَمَثلِ الجَسَدِ الوَاحِدِ؛ إِذا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَداعَى لَهُ سَائِرُ الجَسَدِ بِالسَّهَرِ والحُمَّى)، دِينٌ يُكْسِبُ أَتْباعَهُ تَلاَحُماً تَهُونُ مَعَهُ مَصائِبُ الحَياةِ، فلقد جاء في القرآن والسنة الأمر بِالإِحْسانِ إِلى الأَيْتامِ، بجَمِيلِ الرِّعايَةِ وحُسْنِ القِيامِ، قال تعالى: (ويسألونك عَنِ اليَتامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) ، وَنَهَى عَنْ قُرْبِ أَمْوالِهِم بِظُلْمٍ أَو إهمال، ( ألم يجدكُ يَتِيماً فَآواى)، وهذه الآية ترشدنا إلى أن الله جل في علاه يرعى حق اليتيم، وإن الذين يترجمون إيمانهم بأسماء الله وصفاته لهم أجر عظيم.
إِنَّ مِمّا عُنِيَ بِهِ الإِسْلاَمُ رِعايَةَ اليَتِيمِ؛ فَلَقَدْ عُنِيَ الإِسلاَمُ بِأَمْرِ اليَتِيمِ عِنايَةً فَائِقَةً، فَأَمَرَ بِالعِنايَةِ النَّفْسِيَّةِ التِي تُخَفِّفُ عَنْهُ لَوعَةَ الفِراقِ، وتُزِيلُ عَنْ كَاهِلِهِ وَطْأَةَ الانْقِطاعِ عَنِ الأَبِ الحَانِي، فَجَعلَ خَيْرَ البُيوتِ بَيْتاً فِيهِ يَتِيمٌ قَدِ امتَزَجَ بِمَنْ فِيهِ مِنْ أَطْفالٍ، يَعِيشُ حَياتَهم، ويُشَاطِرُهُم حَنانَ والِدِهم، ويُشارِكُهُم لَعِبَهُم ومَرَحَهُم، فَعَنْ أَبِي هُريْرَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (خَيْرُ بَيْتٍ فِي المُسلِمينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُحْسَنُ إِليهِ، وشَرُّ بَيْتٍ فِي المُسلِمينَ بَيْتٌ فِيهِ يَتِيمٌ يُسَاءُ إِليهِ)، وقَالَ تَعالَى: (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ)، بَلْ نَجِدُ القُرآنَ الكَرِيمَ يَجْعلُ الاعتِداءَ علَى نَفْسِيَّةِ اليَتِيمِ صادراً ممن يغفل عن يوم الدين والوقوف بين يدي رب العالمين، قَالَ سُبْحانَهُ: (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ، فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ).
إِلى جَانِبِ الرِّعايَةِ النَّفْسِيَّةِ لِلْيَتِيمِ حَثَّ الإِسلاَمُ ورَغَّبَ فِي رِعايَتِهِ مادِيّاً، بِتَوفِيرِ مَا يَحتاجُهُ مِنْ مَلْبَسٍ ومَأْكَلٍ ومَشْرَبٍ وسَائِرِ احتِياجَاتِ الحَياةِ، ويَتَعاظَمُ ثَوابُ كَافِلِ اليَتِيمِ إِذا جَعَلَ ذَلِكَ علَى نَفَقَتِهِ الخَاصَّةِ، قَالَ تَعالَى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ) ، وقَالَ سُبْحانَهُ: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا، إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُورًا).
لَقَدْ كَانَ الرَّسُولُ -صلى الله عليه وسلم- قُدْوَةً فِي ذَلِكَ، فَقَدْ كَانَ يَضُمُّ الأَيتامَ إِليهِ، ويَجْعلُهُم كأَبْنائِهِ ومَنْ يَعولُ مِنْ أُسرتِهِ، وذَلِكَ كَما فَعَلَ بِأَولادِ أَبِي سَلَمةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- الذِي مَاتَ عَنْ أَولاَدٍ صِغارٍ، وعَنْ زَوجَتِهِ الكَرِيمَةِ أُمِّ سَلَمَةَ -رَضِيَ اللهُ عَنْها-، فَتَزَوَّجَها النَّبِيُّ -صلى الله عليه وسلم- وقَامَ بِكَفالَتِها هِيَ وأَولاَدِها جَمِيعاً كَما يَكفُلُ أَولاَدَهَ وأَهلَ بَيتِهِ، وكفل ورعى أولاد أخيه جعفر حين استشهد رضي الله عنه، فقام النبي صلى الله عليه وسلم بكفالتهم.
إن الرِّعايَةُ المَادِّيَّةُ لِليَتِيمِ لاَ تَقْتَصِرُ علَى تَوفِيرِ مُتطلَّباتِ جَسَدِهِ، بلْ تَتَعدَّى ذَلِكَ إِلى رِعايَةِ مَالِهِ بِحِفْظِهِ وصِيانَتِهِ وعَدَمِ الاعتِداءِ علَيهِ، فَقَدْ جَاءَ الوَعِيدُ صَرِيحاً وغَلِيظاً علَى مَنْ سَوَّلَتْ لَهُ نَفْسُهُ استِغلاَلَ ضَعْفِ اليَتِيمِ بِأَكْلِ مَالِهِ والاستِيلاَءِ علَيهِ، قَالَ تَعالَى: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ-رَضِيَ اللهُ عَنْهُ-عَنِ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ: (اجتَنِبوا السَّبْعَ المُوبِقاتِ) قَالوا: يَا رَسُولَ اللهِ ومَا هُنَّ؟ فَذَكَرَ مِنْها: (أَكْلَ مَالِ اليَتِيمِ)، وقَالَ تَعالَى: (وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً)، بلْ أَمَرَ سُبْحانَهُ بِالمُحافَظَةِ علَى أَموالِ اليَتامَى وصِيانَتِها إِلى أَنْ يأْنَسَ القَائِمُ علَيها رُشْداً مِنْ أَصْحابِها، فَعِندَئذٍ يَدفَعُها إِلَيْهِم، قَالَ سُبْحانَهُ: (وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيباً).
أكرم اللهُ سبحانَهُ وتعالَى اليتيم فجعلَ جلَّ جلالُهُ رعايتَهُ ساحةً للرحمةِ والمغفرةِ ودخولِ الجنَّةِ، وأنزلَ الآياتِ الكثيرةَ الَّتي تؤكِّدُ حقَّ هذَا اليتيمِ، وتدعُو إلَى رعايتِهِ والإحسانِ إليهِ، قالَ اللهُ تعالَى: (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى)
وبشَّر رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم كَافِلَ الْيَتِيمِ بأنْ يكونَ رفيقَهُ فِي الجنَّةِ، فيَا لَهَا مِنْ صُحبةٍ عظيمةٍ، وهنيئاً للفائزينَ بكفالةِ اليتامَى ورعايتِهِمْ، ويَا بُشرَاهُمْ بِهذَا المقامِ العظيمِ، وزيادةً فِي الفضلِ والأجرِ فقدْ دلَّنَا النبيُّ صلى الله عليه وسلم علَى صفقةٍ رابحةٍ عظيمةٍ فقالَ صلى الله عليه وسلم: ( أَيُّمَا مُسْلِمٍ ضَمَّ يَتِيمًا بَيْنَ أَبَوَيْنِ مُسْلِمَينِ إِلَى طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ حَتَّى يَسْتَغْنِيَ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ الْبَتَّةَ )، وقال صلى الله عليه وسلم: ( أَنَا وَكَافِلُ الْيَتِيمِ فِي الْجَنَّةِ كَهَاتَيْنِ) وَأَشَارَ بِأُصْبُعَيْهِ يَعْنِي السَّبَّابَةَ وَالْوُسْطَى،.
إنَّ الإحسانَ إلَى اليتيمِ ورحمتَهُ ورعايتَهُ وكفالتَهُ أجر مستمرٌّ، ورحمةٌ نازلةٌ، ومُذْهِبَةٌ لقسوةِ القلبِ ، فعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ – رضي الله عنه- أَنَّ رَجُلاً شَكَا إِلَى النَّبِىِّ صلى الله عليه وسلم قَسْوَةَ قَلْبِهِ فَقَالَ: ( امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ ).
لقدْ رفعَ الإسلامُ مِنْ شأنِ اليتيمِ، وأَعْلَى قدْرَهُ، وحفظَ لهُ مكانتَهُ فِي المجتمعِ، وحثَّ علَى إصلاحِهِ ومخالطتِهِ، قالَ سبحانَهُ: ( وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ).
إنَّ كفالةَ اليتمِ تشملُ الإنفاقَ عليهِ وحفْظَ مالِهِ وتقديمَ الرعايةِ التربويةِ والصحيةِ والنفسيةِ وجميعِ مَا يلزمُ لهُ ليكونَ فردًا صالِحًا فِي المجتمعِ، ودولةُ الإماراتِ العربيةِ المتحدةِ سبَّاقَةٌ فِي إنشاءِ المؤسساتِ الحكوميةِ والأهليةِ التِي ترعَى الأيتامَ وتَهتمُّ بِهمْ، كمَا أنَّهَا شرعَتِ القوانينَ التِي تضمنُ حقوقَهُمْ، فجزَى اللهُ الحكومةَ الرشيدةَ خيرَ الجزاءِ علَى مَا تبذلُهُ مِنْ جهودٍ لرعايةِ الأيتامِ.
احرصُوا علَى كفالةِ اليتامَى والعنايةِ بِهِمْ، لأنَّ الأجرَ كبيرٌ والفضلَ عظيمٌ، وكلمَا زادَتْ عنايةُ المجتمعِ باليتيمِ تنَزَّلَتْ علَى أهلِهِ الرحماتُ، وحلَّتْ عليهِ البركاتُ، واستحقُوا رضَا ربِّ الأرضِ والسَّمواتِ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( إِنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ وَنِعْمَ صَاحِبُ الْمُسْلِمِ هُوَ إِنْ أَعْطَى مِنْهُ الْيَتِيمَ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ) واعلمُوا أنَّ كفالةَ اليتيمِ ورعايتَهُ دأبُ أجدادِكُمْ وآبائِكُمْ من المؤمنين الصالحين المصلحين طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم.
اللهم اجعلنا من عبادك المؤمنين.