إن من رحمة الله عز وجل بعباده أن شرع لهم من الشرائع ما يحقق لهم السعادة، ويجلب لهم الخير في الدنيا والآخرة، فجاءت شريعة الإسلام بتحقيق مصالح الأنام، وكفلت جلب الخير للعباد في المعاش والمعاد، وأقامت بينهم وبين الفواحش سدوداً منيعة وحصوناً حصينة كي لا يتسلل منها ما يهدم الفضيلة ويخدش الحياء ويقضي على العفة، فشرع الله الزواج وجعله واجباً من الواجبات في الشريعة الطاهرة النقية (صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً)
ألا وإن مما أتت به هذه الشريعة الغراء إباحة الزواج والحث على النكاح والترغيب فيه بل والأمر به فكان الزواج منهجاً نبوياً لا يسقط إلا عن العاجز شرعاً.
لقد جعل الإسلام الزواج ذريعة ووسيلة لواجبات كثيرة، رفع الإسلام قدرها، وبين عز وجل أن الزواج صفة لرسله عليهم الصلاة والسلام، فقال عز وجل: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وذرية)، ومدح الله عز وجل أولياءه المتقين بأنهم يسألونه ويتضرعون إليه بأن يرزقهم من الأزواج والذرية ما تقر به أعينهم، فقال الله عز وجل عن عباده المؤمنين: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)
وجعله الله سكينة ومنة وفضلاً منه لعباده، كما يحصل بالزواج السكن والمودة وطمأنينة النفس وهدوء البال وراحة الأعصاب وحضور الذهن، والله عز وجل يقول في آية جامعة قال تعالى: (هو الذي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا ليسكن إليها) وفي الآية الأخرى (وَمِنْ آَيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
لقد أنكر الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم على بعض أصحابه الذين رغبوا عن الزواج ظنًّا منهم أن ذلك أكمل في تعبدهم وتقربهم من ربهم سبحانه وتعالى، وكانوا نحو ثلاثة نفر، فبلغ أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم فغضب حتى بان الغضب في وجهه وجمع الناس وقال: (ما بال أقوام يقولون كذا وكذا أما إني أخشاهم لله وإني أتزوج النساء وأصوم وأفطر وأقوم وأنام فمن رغب عن سنتي فليس مني) متفق عليه ، فالزواج استقرار وسكينة ونعمة وفضيلة وراحة نفسية وطمأنينة، ومودة ورحمة وصحة وسعادة ورزق وحفظ وبقاء للنسل البشري.
أيها المسلمون: لقد تكاثرت النصوص الشرعية في الأمر بالزواج والتحذير من الرغبة عنه، قال تعالى (وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)
هذه الآية الكريمة يأمر الله فيها بالتزويج وتيسيره، وهي دليل على وجوبه على كل من قدر عليه، وفي الحديث الشريف قال عليه الصلاة والسلام: (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر وأحصن للفرد، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء) متفق عليه، فالزواج واجب على المستطيع وأما غير المستطيع فقال الله لهم ( وليستعفف الذين لا يجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله) وقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم ( ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء)
هذا هو موقف الإيمان، هذا هو منطق التوكل على الله، لا ما يسود بعض الأوساط الاجتماعية اليوم من التأخر عن الزواج بغير مبرر، بل بحجج تافهة لا تتكئ على أي حجة شرعية أو عقلية.
أيها المسلمون: كم من إنسان تزوج وهو لا يملك شيئًا يذكر فكان الزواج فاتحة خير وسبب غنى له، ومن تأمل الواقع وجده ينطق بتأكيد ذلك والله يقول: (إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ)، إن الإسلام وهو يرغب في الزواج ويحث عليه إنما يرمي إلى تحقيق أهداف سامية ومقاصد كريمة من وراء الزواج، فالزواج يدعو إلى غض البصر وكف الطرف عن النظر إلى ما حرم الله عز وجل، ( فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج)، وفيه انتشار التماسك الاجتماعي والرحم، قال تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً) الزواج نقطة انطلاق لوجود الأجداد والجدات والآباء والأمهات والأبناء والبنات والأحفاد والحفيدات والإخوة والأخوات والأعمام والعمات والأخوال والخالات، وهكذا تنتشر المجتمعات، قال تعالى: ( وهو الذي خلق من الماءبشراً فجعله نسباً وصهراً ).
إن الإسلام ليعد ممارسة العمل الغرائزي في نطاق الحلال المشروع قربة وصدقة يستحق صاحبها الثواب من الله عز وجل، حتى جاء في الحديث الصحيح (وفي بُضع أحدكم صدقة) فقال الصحابة (يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟!) قال: (أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه بها وزر؟) قالوا: بلى، قال: (وكذلك إذا وضعها في حلال كان له بها أجر).
اللهم لغفر لنا…
الخطبة الثانية.
أيها المسلمون: إن مما يأسف له ما نراه من انصراف بعض الشباب عن الزواج وإعراضهم عنه ظنناً منهم أن حياة العزوبة أفضل وأهنأ وأخف من الزواج، ولا شك أن هؤلاء مخطئون في ظنهم، جاهلون في رأيهم، ولو فكروا قليلاً بعقولهم واستعرضوا الحوادث والوقائع من حولهم لوصلوا إلى نتيجة حاسمة ألا وهي تفضيل الحياة الزوجية على حياة العزوبة، وإذا زال السكن بالزواج كان الاضطراب بالعزوبية.
إن الزواج أيها المسلمون سبب من أسباب الحصول على النسل والأبناء والذرية الذين هم ثمار القلوب وفلذات الأكباد وزينة الحياة الدنيا وبناء الأجيال، ومن دعاء الصالحين ما أخبر الله به بقوله: (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا)
لقد ورد في الشرع ما يدل على تيسير المهور وأن أبرك النساء أيسرهن مهراً، فمن الصحابيات من تزوجت بأسلام خاطبها، ومنهن من تزوجت بما مع خاطبها من القرآن، وقيل لصحابي التمس ولو خاتماً من حديد ليكون مهرًا لزواجه ومنهم من تزوج بنصف أوقية أي بقدر خمسمائة درهم وهو شيء يسير، وأكثر شيء لا يتعدى ستة ألف درهم وهو أيضاً شيء يسير، وإن خطورة المغالاة في المهور معيقة عن تحقيق الزواج، والذي يضع العقبات في طريق الزواج فإنما يشارك بوجه وآخر في نشر الفساد والفحش والمنكر والذي ييسر ويساعد ويعين في الزواج فإنما يشارك بوجه وآخر في صناعة الصلاح والأمان والخير والسعادة، وقد تقرر أن الحلال كلما اتسع كان اتساعة سببا لتضييق وخنق طريق الحرام وإذا ضيق على طريق الحلال وجد الحرام طريقه للانتشار عياذاً بالله.
وهذا يلفت النظر أن كثيرًا من الآباء والأمهات يظن أن قلة مهر ابنته بخسًا لقيمتها وإهداراً لكرامتها وما علم هؤلاء أن التغالي في المهور هو بعينه الذي يجعل من المرأة أو الفتاة سلعة تُباع وتشترى وتكون من نصيب من يدفع مالاً كثيرًا، وهذا ضرب من احتقار المرأة وتعريضها للمزايدة ودفعها لمن يدفع أكثر بغض النظر عن الدين والخلق .