تهيئة الأنفس المسلمة في شعبان

الحمد لله…

أيها الناس: تعيش الأمة الإسلامية في شهر شعبان وهو شهر رجب ورمضان يغفل عنه كثير من الناس، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، وقد خصَّ الله عزَّ وجلَّ شهر شعبان بفضيلة رفْع أعمال العباد فيه، ولأجل هذه الفضيلة فقدْ كان النبي صلَّى الله عليه وسلَّم يخصُّ هذا الشهر بالصيام أكثرَ مِن غيره ما خلا رمضان، فعن أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال: قلت: يا رسولَ الله، لم أرَك تصوم شهرًاً مِن الشهور ما تصومُ مِن شعبان؟! قال: (ذلك شهرٌ يغفُل الناس عنه بين رجَب ورمضان، وهو شهرٌ تُرفَع فيه الأعمالُ إلى ربِّ العالمين، فأحبُّ أن يُرفَع عمِلي وأنا صائِم) رواه أحمد والنسائي، وحسنه الألباني)، وفي الصحيحين عن أمِّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: (ما رأيتُ رسولَ اللَّهِ صلَّى الله عليه وسلَّم استكملَ صِيامَ شهر قطُّ إلاَّ رَمَضان، وَما رَأَيْتُهُ في شَهْرٍ أكْثَرَ مِنه صِيَامًا في شَعْبَان) (متفق عليه).

قال الحافظ ابنُ رجب رحمه الله: “قوله صلَّى الله عليه وسلَّم: ( شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عنه ) فيه دليلٌ على استحباب عمارة أوقاتِ غفْلة الناس بالطاعة، وأنَّ ذلك محبوبٌ عندَ الله عزَّ وجلَّ؟

أيها الناس: وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد: منها: أنَّه يكون أخْفى، وإخفاء النوافِل وإسرارها أفضل. ومنها: أنَّه أشقُّ على النفوس، وأفضلُ الأعمال أشقُّها على النفوس، وسببُ ذلك أنَّ النفوس تتأسَّى بما تشاهده مِن أحوال أبناء الجِنس، فإذا كثُرتْ يقظةُ الناس وطاعاتهم كثُر أهلُ الطاعة، لكثرةِ المقتدين بهم، فسهلت الطاعَة، وإذا كثُرتِ الغفلات وأهلها تأسَّى بهم عموم الناس، فيشق على نفوس المتيقظين طاعاتهم، لقلَّة مَن يقتدون بهم فيها. ومنها: أنَّ المنفرد بالطاعة بيْن أهل المعاصي والغفْلة قد يُدْفَعُ به البلاءُ عن الناس كلِّهم، فكأنه يَحميهم ويدافع عنهم”.
ومِن الفوائد المرجوَّة كذلك مِن الصيام في هذا الشهر: توطين النفس وتهيئتها لصيام رمضان، فإذا أقْبل رمضان كانتْ مستعدَّة لصيامه بقوَّة ونشاط، قادِرة عليه دون عناءٍ وتكلُّف، متأهِّبة لغيره مِن العبادات والطاعات، فتعظيم شعبان مِن تعظيم رمضان كالسُّنة القبليَّة للصلاة المفروضة، تعظيمًا لحقها، وتأهبًا لأدائها، وإن عمار بن ياسر رضي الله عنه روي أنه كان يتهيأ لصوم شعبان، كما يتهيأ لصوم رمضان!

إن شهر شعبان يتنَزَّلُ فيهِ رب العالمينَ، فشهر شعبان نفحةٌ مباركةٌ مِنْ نفحاتِ اللهِ تعالَى لعبادِهِ المؤمنينَ، وفرصةٌ عظيمةٌ مِنْ فُرَصِ الخيرِ الوفيرِ، وهذِهِ المكانةُ العظيمةُ والمنْزِلةُ الرفيعةُ استحقَّهَا هذَا الشهرُ لأمورٍ منْهَا : أنَّهُ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فيرحمُ اللهُ تعالَى المسترحمينَ، ويغفرُ للمستغفرينَ، ولذلكَ كانَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم يحبُّ هذَا الشهرَ، ويخصُّهُ بخصائصَ ليستْ لغيرِهِ مِنْ باقِي الشهورِ إلاَّ رمضانَ ، فعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضيَ اللهُ عنْهُ قَالَ : قُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْراً مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ . قَالَ:( ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِى وَأَنَا صَائِمٌ )

وعَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ – رضىَ اللهُ عنهَا – أَنَّهَا قَالَتْ: (مَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ قَطُّ إِلاَّ رَمَضَانَ وَمَا رَأَيْتُهُ فِى شَهْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُ صِيَاماً فِى شَعْبَانَ)

وفِي روايةٍ : كَانَ يَصُومُهُ إِلاَّ قَلِيلاً.

كمَا أنَّ فيهِ ليلةَ النصفِ مِنْ شعبانَ وهيَ ليلةٌ مباركةٌ يتفضَّلُ اللهُ تعالَى فيهَا علَى المؤمنينَ بالمغفرةِ ، فعَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِىِّ رضيَ اللهُ عنهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ :( إِنَّ اللَّهَ لَيَطَّلِعُ فِى لَيْلَةِ النِّصْفِ مِنْ شَعْبَانَ فَيَغْفِرُ لِجَمِيعِ خَلْقِهِ إِلاَّ لِمُشْرِكٍ أَوْ مُشَاحِنٍ)

لأنَّ الشَّحناءَ مَا دَخَلَتْ قلباً إلاَّ أَفْسَدَتْهُ، ولاَ تَسَلَّلَتْ إلَى نَفْسٍ إلاَّ أَنْبَتَتْ فِيهَا البُغْضَ والكراهيةَ، ولاَ تَمَكَّنَتْ مِنْ أحدٍ إلاَّ حَمَلَتْهُ علَى هَجْرِ أهلِهِ وإخوانِهِ وأقاربِهِ وجيرانِهِ، كمَا أنَّهَا تَمْنَعُ الْمَغْفِرةَ عندَ عرضِ الأعمالِ علَى اللهِ عزَّ وجلَّ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم :( تُعْرَضُ الأَعْمَالُ فِى كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِى ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لاَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئاً إِلاَّ امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ : اترْكُوا أَيْ أَخِّرُوا – هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، اترْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)

عبادَ اللهِ : هَا نحنُ قدْ أتانَا شهرُ شعبانَ بخيراتِهِ ونفحاتِهِ فلنغتَنِمْ أيامَهُ بمزيدٍ مِنَ العملِ الصالِحِ عملاً بسنةِ نبيِّنَا صلى الله عليه وسلم فِي مثلِ هذِهِ الأيامِ المباركاتِ يقولُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( افْعَلُوا الْخَيْرَ دَهْرَكُمْ، وَتَعَرَّضُوا لِنَفَحَاتِ رَحْمَةِ اللَّهِ ، فَإِنَّ لِلَّهِ نَفَحَاتٍ مِنْ رَحْمَتِهِ، يُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ، وَسَلُوا اللَّهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ)

فَعلينَا أنْ نَتهيأَ لاستقبالِ شَهرِ رمضانَ بالإكثارِ منَ الطاعةِ فِي شهرِ شعبانَ ، وبطهارةِ القَلْبِ ، ونقاءِ النَّفْسِ ، وسلامةِ الصَّدْرِ ، وإصْلاحِ ذَاتِ البَيْنِ ، وإفْشَاءِ السَّلامِ ، وصلةِ الأرحامِ، فَمَنِ اتَّصَفَ بذلكَ فإنَّهُ مِنْ أفضلِ النَّاسِ وأَحْسَنِهِمِ اسْتِعْدَاداً لاِستقبالِ هَذَا الشَّهْرِ الْمُبارَكِ، وقدْ أمرَنَا اللهُ تعالَى بالمسارعةِ إلَى فعلِ الخيراتِ، فقالَ تعالَى :﴿ فَاسْتَبِقُوا الخَيْرَاتِ).

أرأيتم يا عباد الله كيف يتهيأ المسلم اللبيب لصلاة الجمعة؟ يزيل عما به من أذى ويغتسل ويتطهر ويلبس الجديد ويرتدي الجميل ويتطيب بأحسن الطيب، ويأتي لصلاة الجمعة ليشهدها مع المسلمين، فالتهيؤ لشهر رمضان أولى من ذلك لأن يوم الجمعة يوم وشهر رمضان شهر والشهر اولى من اليوم ولأن شهر رمضان فيه جمعات فجمع فضل الجمعة وزاد فلذلك كان التهيؤ النفسي له أولى ما اهتم به المؤمنون، شأنَ الْمُؤمِنِ الرَّاغِبِ فِي رِضْوَانِ اللهِ تعالَى، والسَّاعِي إلَى الفَوْزِ بِمَغْفِرَتِهِ أَنْ يَبْذُلَ كُلَّ سببٍ يُحَقِّقُ الأُلفةَ بَيْنَهُ وَبيْنَ المُسلمينَ ، وَيَزْرَعَ الْمَحَبَّةَ ، فَقَدْ كَانَ مِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم :( وَاسْلُلْ سَخِيمَةَ قَلْبِى) رواه أبو داود وغيره بسند صحيح   وسَخِيمَةَ القَلْبِ: أَيْ غِشَّهُ وَغِلَّهُ وَحِقْدَهُ وَحَسَدَهُ وَنَحْوَهَا مِمَّا يَنْشَأُ مِنْ الصَّدْر وَيَسْكُنُ فِي الْقَلْب مِنْ مَسَاوِئِ الأَخْلَاقِ.

ويذكر أهل اللغة أنه سمي بشهر شعبان لتشعب الأعمال فيه، فلتكن الأعمال لها هدف رفيع، ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات).

اللهم اجعلنا من أوليائك المقربين