أيها الناس: روى الإمام أحمد في المسند والترمذي في السنن والحاكم في المستدرك عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (تعرف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة) هذا التوجيه العظيم من الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم، من جوامع الكلم، موعظة في طلب وجواب، تعرف إلى الله في الرخاء، هذا طلب، يعرفك في الشدة، هذا جواب وجزاء، ولقد ذم الله اناسا لا يعرفونه إلا في الشدة فمقتهم وذمهم فقال: ( وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعداً أو قائماً فلما كشفنا عنه ضره مر كان لم يدعنا إلى ضر مسه) وقال: ( وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض)، ولقد أشاد القرآن بذكر المؤمنين الذين تعرفوا إلى الله في الرخاء فنجاهم وقت الشدة، فذكر لذلك عدة أمثلة من ذلك قصة يونس عليه السلام، كما أخبر عنه – بقوله: ﴿ فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ﴾ يعني؛ قبل البلاء، كما أخبر عن أعداء له لم يتعرفوا إلا في وقت الشدة، ومن ذلك العدو فرعون لما تنكَّر إلى ربِّه في حال رخائه لم يُنْجِه اللَّجَأ عند بلائه، قال تعالى: ﴿ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ ﴾
أما طاف الأحزاب بالمدينة وهم عشرة آلاف، والمسلمون ثلاثة آلاف, وكانت شدة فرجت عن قوم عرفوا الله في الرخاء، فأرسل الله الريح فاقتلعت الخيام, وكفأت القدور, وإذا بالجيش يرتحل من غير نزال ولا قتال.
نعم يا عباد الله إن لنا لعبرة في خبر الثلاثة الذين دخلوا الغار وانطبقت عليهم الصخرة، وقص النبي عليه الصلاة والسلام قصتهم, وأخبر خبرهم, يوم أن آواهم المبيت إلى غار فتدهدهت عليهم صخرة عظيمة أغلقت فم الغار, فإذا الغار صندوق مغلق محكم الإغلاق, مقفل موثق الإقفال.
إن نادوا وطلبوا النجاة فلن يسمع الناس نداءهم, وبالتالي إن استنجدوا الناس فلا أحد ينجدهم, وإن دفعوا الصخرة فسواعدهم أضعف وأعجز من أن تدفع صخرة عظيمة سدت باب هذا الغار, وكانت كربة, وكانت شدة, فلم يجدوا وسيلة يتوسلون بها في هذه الشدة إلا أن يتذكروا ما عملوه من أعمال صالحة في الرخاء, فدعوا الله في الشدة بصالح أعمالهم في الرخاء.
دعا أحدهم ببره والديه, يوم أتى فوجدهما نائمين، وطعامهما قدح من لبن في يده، وصبيته يتضاغون من الجوع, وكان بين خيارين إما أن يوقظ الوالدين من النوم, وإما أن يطعم الصبية!! فلم يختر أيًا من هذين الخيارين, ولكن اختار خيارًا ثالثًا وهو أن يقف والقدح على يده والصبية يتضاغون عند قدميه، ينتظر استيقاظ الوالدين الكبيرين, والوالدان يغطان في نوم عميق حتى انبلج الصبح وأسفر الفجر فاستيقظا، وبدأ بهما وأعرض عن حنان الأبوة وقدم عليه حنان البنوة على الأبوة فشرب أبواه وانتظر بنوه.
(اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه).
ثم دعا الآخر, فتوسل إلى الله بخشيته لله ومراقبته يوم أن قدر على المعصية, وتمكن من الفاحشة ووصل إلى فتاة هي أحب الناس إليه، ابنة عمه, بعد أن اشتاق إليها طويلاً وراودها كثيرًا وحاول فأعيته المحاولة, حتى إذا أمكنته الفرصة واستطاع أن يصل إلى شهوته، وينال لذته خاطبت فيه تلك المرأة مراقبة الله، فقالت: اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه, فتحرك في ضميره تقوى الله، وشد انتباهه الخوف من الله، ارتعد القلب واقشعر الجلد, ووجفت النفس، وتذكر مرده إلى الله تعالى واستشعر أن الله يراه، فقام عنها, وهي أحب الناس إليه وترك المال الذي أعطاها.
فقال: (اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه).
ودعا الثالث فتوسل بعمل صالح قربه, وهو الصدق والأمانة حيث استأجر أجراء فأعطاهم أجرهم, وبقي واحد لم يأخذ أجره ساخطاً ورآه قليلاً فنمّاه وضارب فيه, فإذا عبيد وماشية وثمر.
ثم جاء الأجير بعد زمن يقول: أعطني حقي.
لقد كان يستطيع أن يقول: هذا حقك أصوعٌ من طعام, ولكنه كان أمينًا غاية الأمانة, نزيهًا غاية النزاهة, فقال: حقك ما تراه, كل هذا الرقيق, وكل هذه الماشية, كلها لك, فكانت مفاجأة لم يستوعبها عقل هذا الأجير الفقير, فقال: “اتق الله ولا تستهزئ بي” فقال: يا عبد الله إني لا أستهزئ بك, إن هذا كله لك, فاستاقه وولى.
(اللهم إن كنت تعلم أني فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه).
وتنامت دعواتهم, وتنامت مناجاتهم، فإذا الشدة تفرج والضيق يتسع, وإذا النور يشع من جديد فيخرجون من الغار يمشون)، عن أبي هريرة – رضي الله عنه – قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (مَن سرَّه أن يستجيبَ الله له عند الشدائد والكرب، فليكثر الدعاء في الرخاء) رواه الترمذي والحاكم، قال الحاكم: صحيح، وأقره الذهبي، وحسنه قال الألباني في صحيح الجامع. الله اهدنا وأصلحنا …