الإسلام يأمر بالرحمة والتراحم

الحمد لله… الإسلام يأمر بالرحمة والتراحم

الحمد لله … خطبة مكتوبة

أيها المسلمون، إن الله تبارك وتعالى سمى نفسه بالأسماء الحسنى ووصف نفسه بالصفات العليا، وأمر عباده أن يترجموا إيمانهم بأسمائه وصفاته في أعمالهم وتعاملهم، فسمى نفسه الحق وأمر عباده بالحق، وبالتواصي بالحق والصبر في سبيل تحقيق الحق، وسمى نفسه الحكيم ويحب من عباده التمسك بالحكمة وأنزل عليهم القرآن الحكيم والسنة الحكيمة، وسمى نفسه الحكم وأمر عباده أن يحكموا بشرعه ويتحاكموا إلى شرعه، وسمى نفسه العالم والعليم والعلام وأمر بالعلم والتعليم، ألا وإن من اكثر أسماء الله التي نرددها كل يوم وليلة ( الرحمن الرحيم) فهذان الاسمان آية من سورة الفاتحة التي هي ركن من أركان الصلوات المفروضة والنافلة، فكل صلاة نستقبل فيها القبلة يجب أن نقرأ فيها سورة الفاتحة ( الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم).

كما وصف الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه ( رؤوف رحيم) (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ) (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللّهِ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ ) (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ)، كما وصف الله القرآن بأنه رحمة (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاء لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ {57} قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ) ( وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا)

أيها المسلمون: إن الله هو الرحمن الرحيم وإن القرآن رحمة وإن نبينا رحمة وإن الإسلام رحمة، فلنكن نحن المسلمين رحماء، وعلينا دائماً أن نتصف بالرحمة، إيمانا بأن الله هو الرحمن الرحيم، وتمسكاً بالقرآن الذي هو رحمة، واقتداء بنبي الرحمة عليه الصلاة والسلام، وانتهاجاً بدين الرحمة، علينا أن نتأمل ما هو حال المسلمين المهجرين من بيوتهم حين يجتاحهم البرد القارص وهم بلا مأوى؟ ما حالهم حين ينصب عليهم الحر وهم بلا مأوى ؟ ما حالهم حين تجتاحهم الرياح السوافي وهم بلا مأوى؟ ما حالهم حين تنهمر عليهم الأمطار وهم بلا مأوى؟! ما حال المسلمين المثخنين بالجراح والفقر والأمراض؟!

إن الناس في حاجة إلى التعامل برحمة، ورعاية حانية بالرأفة والرحمة، وبشاشة سمحة، فالإسلام دين الرحمة والتراحم، والمسلمون المتمسكون بحق بتعاليم الإسلام رحماء في كل تعاملاتهم في السلم والحرب، حتى في الحرب، قال النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين في حديثه عن صد عدوان الكفار الحربيين ( لا تقتلوا صبياً ولا امرأة ولا شيخاً ولا عابداً في صومعة) أما دين الكفر والظلمة فليس فيه ذلك، كما هو المشاهد أن الكفرة والظلمة يقاتلون بكل عدوانية إما بأنفسهم أو بتوكيل عملاء لهم أو بتواطئهم ودعمهم.

إن الإنسان بلا رحمة ينحط إلى منزلة بهيمية أو أقذر، وإن الفوضى في الناس وبغير قلوب رحيمة أشبه بالغابة التي يفترس فيها القوي الضعيف، وإن الإنسان لا يتميّز في إنسانيته إلا بقلبه وروحه ورحمته وعطفه، وبغير ذلك فهو كومة من لحم وعظم.

الرحمة هي من أعظم مميزات الطبيعة البشرية عن الطبيعة الحيوانية الوحشية، فالمسلم يرقّ لآلام الخلق، ويسعى لأمنهم وتحقيق سكينتهم، الرحمة من أعظم ثمار الفطرة السليمة المستقيمة ومن أعظم جمال الخلُق وحسن السلوك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: (جعل الله الرحمة مائة جزء، أنزل في الأرض جزءاً واحداً، فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه) متفق عليه..

 إن الرحمة التي جاء بها الإسلام رسالة خير وسلام ورحمة للبشرية على الدوام، دعا الإسلام إلى التراحم، وجعل الرحمة من دلائل الإيمان، فالمسلم يلاقى الناس وهو رحيم بشوش، فعن ابن مسعود رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (لن تؤمنوا حتى تراحموا)، قالوا: يا رسول الله، كلنا رحيم، قال: (إنه ليس برحمة أحدكم صاحبه، ولكنها رحمة العامة) رواه الطبراني بسند صحيح، ومعنى الحديث ألا تخص بالرحمة من تعرف من قريب أو صديق، ولكنها رحمة عامة تسع الناس كلهم، وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله : (لا يرحم الله من لا يرحم الناس) متفق عليه، وهذا الحديث نص في الحضّ على استعمال الرحمة للخلق بلا تمييز، وفي الحديث (الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود والترمذي.

اللهم اغفر لنا…

 الخطبة الثانية.

أيها المسلمون: إن اكتساب الرحمة يكون من خلال العمل بمنهج بالإسلام قال تعالى: (وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) كما تُكون بتقوى الله، (وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ) ( وَٱلْمُؤْمِنُونَ وَٱلْمُؤْمِنَـٰتِ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِٱلْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ ٱلْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَيُؤْتُونَ ٱلزَّكَوٰةَ وَيُطِيعُونَ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَـئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ ٱللَّهُ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).

أيها المسلمون، وإذا كان الأمر كذلك فإن من أولى الناس وأحقهم بالرحمة وأمنِّهم بها وأولاهم بها الوالدين، فببرهما تُستجلب الرحمة، وبالإحسان إليهما تكون السعادة، (وَٱخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلّ مِنَ ٱلرَّحْمَةِ وَقُل رَّبّ ٱرْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا) وكذلك سائر الضعفاء والمسنين يقول صلى الله عليه وسلم: (هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم) وكذلك كانت صلة الرحم بالرحمة الإيمانية، وفي الحديث: (الرحم شجنة من الرحمة، من وصلها وصله الله، ومن قطعها قطعه الله)، إن المسلمين حين نتشتر فيهم رعاية المسنين يكون قد قاموا بأعمال من أعظم الأعمال الصالحة، فقد ذكر الله في كتابه الكريم  القيام بالرعاية والكفالة والإطعام وقال في وصف القائمين بها (ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ {17} أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيْمَنَةِ ) هذا هو منهج الإسلام في الرعاية والرحمة والتراحم.

وفي الحديث: (ليس منا من لم يرحم صغيرنا، ويعرف شرف كبيرنا) أخرجه أحمد والترمذي، وقد أولى الإسلام لكبير السن أهمية عظيمة ومن إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم.