السؤال: ما هو الحكم في زواج البنت البكر بغير موافقة ولي أمرها؟ وهل عقد الزواج يبطل شرعا في هذه الحالة؟
وجزاك الله خيرا.
______________________
الجواب: الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد: نرحب بكم في موقعكم ( لمن اهتدى )، وإنه ليسعدنا اتصالكم بالموقع في أي وقت وحين وفي أي موضوع، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق لخير العمل وعمل الخير، وندعوه سبحانه أن يحقق لنا ولكم الصدق والإخلاص في كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.
وبخصوص سؤالك أخي السائل حفظكم الله، فاعلم علمني الله وإياك ما ينفعنا في الدنيا والآخرة، أنه لا نكاح إلا بولي،وأن المرأة لا يجوز لها شرعا أن تزوج نفسها، لأن هذا الباب إذا فتح سينشر في المجتمع المسلم فسادا مستطيرا، عياذا بالله، و لذلك الله جل وعلا أمر باستئذان ولي أمر المرأة في النكاح، فقد قال الله تعالى( فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخدان…) سورة النساء آية 25، وحين نقرأ الآيات القرآنية التي تتحدث عن النكاح نجد الخطاب من الله عز وجل موجها لأولياء أمور النساء، مما يدل على هذا النظام الشرعي الذي يحفظ كرامة المرأة، ويجعلها عزيزة وجوهرة مصونة ، ولؤلؤة مكنونة، فلربما يتعتدي المرأة على هذا الحق لوليها، وتزوج نفسها ثم تختصم معه فيعيرها الرجل بقوله إنما عرضت نفسك بلا ولي! أو إنما أنت زوجتني نفسك، أو يختصمان فلا تجد لها وليا ولا ناصرا، فتسبب في قطع أرحامها في أغلب الحالات.
وقد ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنها قالت: قال الرسول صلى الله عليه وسلم “أيما امرأة نكحت بغير إذن مواليها، -أو قال بغير إذن وليها- فنكاحها باطل فنكاحها باطل فنكاحها باطل،…) الحديث، رواه أبو داود في سننه كتاب النكاح ص235 حديث رقم 2083 أخرجه الدارقطني في سننه (8/324) – ومن طريقه البيهقي في السنن الكبرى ( 7/125) ومعرفة السنن (11/266) – والحاكم في معرفة علوم الحديث (1/319 ) – – وابن عساكر في التاريخ (22/370) بسند صحيح.
وعنها رضي الله عنها قالت قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل ) رواه البيهقي وغيره، وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم (7557)، وهو حديث نبوي قد ورد عن جمع من الصحابة رضي الله عنهم، مروي في السنن والمصنفات وغيرها، وانظر “المغني” لابن قدامة (7/7).
ومن مقاصد الشريعة المطهرة العظمى حماية حقوق الفرد والمجتمع، والمحافظة على الأنساب، وأخذ كل الاحتياطات لمنع اختلاطها. من أجل كل ذلك وضعت للزواج الشرعي شروطا وضوابط لحماية حق الرجل والمرأة والولد.
والولي العاقل العدل في الزواج ضمان لسلامة وجدية الزواج بين الفتاة والشاب، لأنه يحرص على مصلحتها فيوافق على زواجها بالشاب المناسب دينا وخلقا وكفاءة، وما تدعو إليه الشريعة من انسجام اجتماعي بين عائلتين أو قبيلتين أو عشيرتين، فالولاية فيها صيانة المرأة وعزة لها.
فإن جحد وليها الأقرب زواجها ومنعها حقها وظلمها فالشرع المطهر قد أجاز للقاضي العدل أن يزوجها بمن يصلح لها بعد أن يبحث الأمر من جميع النواحي، وبهذا يقول جميع الأئمة، فإن لم يوجد حل محله الرجل الثقة المشهود له بالصلاح والخير أن يتولى تزويجها بإذنها إذا لم يوجد لها ولي عاقل ولا سلطان عدل، ويستوي في ذلك البنت البكر والمرأة الثيب.
وأما ما ذهب إليه أبو حنيفة رحمه الله من أن الثيب يجوز لها تزويج نفسها! فقد تم البحث عن ذلك في أقواله رحمه الله فلم يوجد له في ذلك أي دليل سوى القياس، حيث قال: (كما يثبت عقد البيع من المرأة الثيب الراشدة ويصح منها الشراء والتصرف فيقاس عليه جواز تزويحها لنفسها)! ولكنه اجتهاد منه رحمه الله وقياس مع وجود النص، وخالف في ذلك الأئمة، ومن المعلوم أنه لا اجتهاد مع النص الصحيح الصريح.
والحق أن يأخذ بالأدلة والنصوص التي وردت تمنع تزويج المرأة لنفسها، ومع كل ما ذكر فإنه أيضا يجب على ولي المرأة من أب أو أخ أو قريب أو سلطان أن يزوجها على صاحب الدين والخلق والكفاءة، ما ستطاع إلى ذلك سبيلا، ولا يجوز ما يفعله البعض من الحالات الشاذة والتي تزوج فيها المرأة بدافع الجشع والطمع في المال دون النظر إلى الكفاءة، فيكرهها على التزوج بكبير في السن قد طعن في السبعين السنة بينما هي دون العشرين! فلا يقوم بمعاشرتها لضعفه وضعف كفاءته، فتقع في الخيانة الزوجية غالبا، فإذا كان لا نكاح إلا بولي، فلا يجوز أيضا القيام بإكراه المرأة فيما فيه ضرر عليها محقق، أو لا مصلحة لها بالزواج به.
ولا بأس أن يزوج الأب العاقل الصالح الناصح بنته بدون إذنها على رجل ذي إيمان وخلق، صالح لها وكفء في القيام بحقها، مما يجعلها في مستقبلها تدعو لأبيها وتشكره، وتحمد ما فعل… وبالله التوفيق.