أربع قصص في سورة الكهف للسلامة من مضلات الفتن

خطبة مكتوبة عن سورة الكهف

الحمد لله…

أيها الناس إن سورة الكهف هي السورة التي اشتهرت بقراءة المسلمين لها كثيراً وخصوصاً يوم الجمعة، اتباعاً للسنة، وتحريا للأجر وطلبا للنور والهدى

روى البخاري ومسلم في صحيحيها أن أحد الصحابة رضي الله عنهم قرأها فوقعت له كرامة عظيمة وهو يقرأها؛ كما في حديث البراء بن عازب رضي الله عنهما قال:(كان رجل يقرأ سورة الكهف وإلى جانبه فرس مربوطة بشَطَنَين فتغشَّتُه سحابة فجعلت تدنو وتدنو وجعل فرسه ينفِر، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: تلك السكينة تنزلت للقرآن).

وورد في الحديث أن حفظ الآيات العشر الأولى من سورة الكهف، أو قراءة الآيات العشر الأخيرة منها سبب للعصمة من الفتنة بالدجال, ولقد تضمنت سورة الكهف أربع قِصص فيها العظة والعبرة كما هو الشأن في قصص القرآن، تلك القصص في سورة الكهف هي قصة أصحاب الكهف التي سميت السورة بها، وقصة صاحب الجنتين، وقصة موسى مع الخضر عليهما السلام، وقصة ذي القرنين رحمه الله تعالى، وكل واحدة من هذه القصص الأربع قد عالجت فتنة من كبريات الفتن التي يسقط فيها كثير من الناس، فلا غرو أن تكون آيات منها سبباً للعصمة من أكبر الفتن التي تحيق بالبشرية ألا وهي فتنة الدجال.

إن قصة أصحاب الكهف هم فتية آمنوا بربهم في وسط أناس مشركين، وعلموا من حق الله تعالى عليهم ما علموا في قوم جاهلين؛ فخافوا أن يكون بقاءهم في وسط المشركين سبباً لفتنتهم في دينهم، فلم يستسلموا، ولم يتبعوا قومهم في ضلالهم، ولا وافقوهم على كفرهم؛ بل أعلنوا توحيدهم لله تعالى، كما أعلنوا براءتهم مما يعبده المشركون، فنهض أولئك الفتية المؤمنين متمسكين بتوحيد خالقهم ﴿ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا * هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا

ثم أتبعوا القول بالعمل فتبرءوا من المشركين واعتزلوهم، وآووا إلى كهف ليعبدوا الله وحده لا شريك له، وليفروا من الفتنة في الدين، فكان جزاؤهم في الدنيا تلك الكرامة العظيمة التي نالتهم وهم في كهفهم، فنجوا بها من الكفار وكيدهم، وكانت كرامة الله تعالى لهم آية تتلى على مر العصور، وكر الدهور، ولم يكن ذلك التصرف الشجاع خاصاً بهم، بل إن الله شرعه لعباده فقال: (وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَداً * وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا

إن من أسباب الثبات على الدين: صحبة الصالحين ممن ثبتوا على دينهم ولو كانوا هم الأقل والأضعف، كما فعل أصحاب الكهف؛ إذ جانب كل واحد منهم أهله وعشيرته المشركين وهم أكثر وأقوى، وصاحب المؤمنين وهم الأقلون المستضعفون، وفي صحبة الصالحين من التثبيت على الدين، والإعانة عليه، وتحصيل الخير ما لا يخفى على عاقل، كما حذر الله من أصحاب الهوى مهما كانت أنسابهم أو أحسابهم.

ما أحوج المسلمبن في هذا الزمن الذي تموج فيه الفتن إلى فقه هذا الدرس العظيم من هذه القصة العجيبة، ويستمسك بتوحيد الله واتباع شرعه مهما كان الثمن.

القصة الثانية قصة صاحب الجنتين البستانين وما فيهما من نخيل وأعناب وأنهار فافتنت بها ونسي لقاء ربه وادعى أنه ولو بعث لوجد أجمل وأحسن ونسي شكر الله فنصحه صاحب له ممن ثبتهم الله وذكره بأن لا حول ولا قوة إلا بالله ودعاه للشكر لله فعاند وكابر فما لبث ان أبيدت حديقته ولم يجد من ينصره من دون الله .

ونجد بعد القصة قول الله تعالى: ﴿ وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا * الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا ﴾ ثم ذكر سبحانه الآخرة والحساب، والكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها.

ثم جاءت قصة موسى والخضر عليهما السلام لأجل عزو العلم إلى الله وأن البشر يتفاوت علمهم(وفوق كل ذي علم عليم)، فأخبر الله عبده موسى أن الخضر لديه علم لا يوجد عند موسى فأسل موسى ربه السبيل إلى لقي الخضر فكان ما قصه الله أن موسى طلب العلم عند الخضر ( قال له موسى هل أتبعك على أن تعلمني مما علمت رشداً ) وتعلم علما لم يكن يعلمه من قبل

ما أحوجنا أيها المسلمون أن ننهل من العلم ونعرف أن الله ﴿ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ

أيها الناس: كذلك تحدثت سورة الكهف أن من أعظم الفتن التي يضعف أمامها أكثر البشر فتنة السلطان الغالب، والقوة القاهرة، التي تقود إلى البطش والظلم والأثرة، ونجد علاج هذه الفتنة الكبيرة في القصة الرابعة من هذه السورة العظيمة، وهي قصة ذي القرنين، الذي ملك مشارق الأرض ومغاربها، ودانت له الدول والممالك، وآتاه الله تعالى من كل شيء سببا، ومع ذلك لم يتجبر بسلطانه، ولا استعلى على الناس بقوته؛ بل سخر ذلك في إحقاق الحق، وإزهاق الباطل، وإقامة العدل، ورفع الظلم، ونصر المظلوم، فقرب المؤمنين وحارب الظالمين، ( قُلْنَا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا * قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا * وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا

وظهر تسخيره لسلطانه وقوته فيما يحبه الله تعالى ويرضاه من رفع الظلم، ونصرة المستضعفين، وبنى السد العظيم ضد العتاة من يأجوجومأجوج، ﴿ قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا * قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا

اللهم اغفر لنا وارحمنا ونجنا من مضلات الفتن ما ضهر منها وما بطن

( عيسى يحيى معافا)

  موقع لمن اهتدى