أيها المسلمون: إن الصوت الذي يجب أن يدوي في كل مكان، ولا سيما في هذا الزمان هو صوت الدعوة إلى الأخوة الإسلامية، صوت الدعوة إلى تآلف القلوب ووحدة الصف وصدق المحبة في الله،
وما أحوجَنا – نحن أمَّةَ الإسلام – خاصَّة في هذا الزَّمان الذي ساد فيه التفرُّق والتشرْذُم بين أبناء الأمَّة، فأضعْنا مجدًا تليدًا، وتكالب عليْنا الأعداء من كل حدب وصوب، بسبب أننا بِتْنا مفرَّقين مشتَّتين، ربَّما على مستوى الأسرة، فضلاً عن مستوى الجيران والأحياء فضلاً عن الأقطار والبلدان والأمصار.
لقد دعا النبي صلى الله عليه وسلم أمة الإسلام إلى التمسك بالأخوة في الله، والقيام بالحقوق فيما بينهم كما أمر الله، فأحيا به الله القلوب بعد ممات وجمع الله به الناس بعد شتات، وألف الله به بين القلوب وجمع به بين الشعوب، وكما حرص على الدعوة إلى تحقيق كلمة التوحيد فلقد دعا أيضا إلى تحقيق توحيد الكلمة، فروى البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى) وعن أبي موسى رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وشبك بين أصابعه) متفق عليه، هذا في باب الخبر وأما في باب الأوامر فعن البراء بن عازب رضي الله عنه قال أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبع بعيادة المريض واتباع الجنائز وإبرار المقسم وتشميت العاطس وإفشاء السلام وإجابة الدعوة ونصر المظلوم) متفق عليه ، وفي باب النواهي عن أبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( لا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا ولا تناجشوا ولا تحسسوا ولا تجسسوا ولا يبع بعضكم على بيع بعض) متفق عليه واللفظ لمسلم.
أيها المسلمون كما حرص النبي صلى الله عليه وسلم على الدعوة إلى الأخوة في دعوة المكية والمدنية وأوضح ذلك بفعله وقوله وسلوكه وأخلاقه، تحققت الأخوة في الله بين الأنصار والمهاجرين والأوس والخزرج، وصاروا متحابين ويؤثر بعضهم بعضاً مما غاض الأعداء من اليهود فقال شماس بن قيس اليهودي لإن بقي المسلمون متحابين فلا بقاء لبني يهود وسعى في التفريق والتمزيق بالوشاية والنعرات الطائفية والحمية الجاهلية وكاد أن يوقع الفتنة بينهم فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فخرج مسرعاً يذكرهم بنعم الإسلام ونعمة الإخوة ونعمة الرسالة والرسول، فأدركوا المكيدة من اليهود فرجعوا إلى رشدهم وذهبوا مع النبي صلى الله عليه وسلم بمحبة واتباع وأنزل الله عتاباً لليهود ( قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وقال لعباده المؤمنين ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) أي كافرين بنعمة الأخوة وقد يدعونكم إلى الكفر بالله، إلى قوله تعالى: ( وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ * وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَـئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ)، وما يفعله اليهود وأعوانهم من نشر الفرقة والشتات بين المسلمين إنما من وسائل فرعون التي استخف بها الناس وتربع على رقابهم فأطاعوه ففرق بينهم ليضعفهم ويحكمهم بالباطل قال تعالى: ( إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعاً) .
ذلك لأن الأخوة في الله تعني النصر والقوة والعزة، ( هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين وألف بين قلوبهم) وكما أن الأخوة تعني النصر فإن الفرقة والشتات تعني الهزيمة والانحطاط، قال تعالى:(وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ)