لا تغضب فردد مراراً لا تغضب

الحمد لله….

أيها المسلمون:

عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني. قال: (لا تغضب فردد مرارا قال: لا تغضب) واه البخاري

وبهذه الكلمة الموجزة، ( لا تغضب ) يشير النبي صلى الله عليه وسلم إلى خطر الغضب، فالغضب مجمع الشر، ومصدر البلايا والخطر، ومآل الخصومة والضرر، فكم قُطعت بسببه من أرحام، وأُشعلت به نار العداوة والخصام، وارتُكبت بسببه السفه والإجرام، وكم كان سبباً في الوقوع في الحرام، وارتكاب الآثام. إن الغضب يغلي في القلوب كغليان البركان، فترى الغضبان محمر الوجه والعينين منتفخ الأوداج، عالي الصوت، فجاءت هذه الوصية النبوية بلسماً فيه الوقاية والدواء، (لاتغضب)، والمعنى لا تكن سريع الغضب يستثيرك كل شيء؛ بل كن مطمئناً متأنياً؛ لأن الغضب جمرة يلقيها الشيطان في قلب الإنسان حتى يغلي القلب، ولهذا تنتفخ الأوداج؛ عروق الدم، وتحمر العينان، ثم ينفعل الإنسان حتى يفعل شيئاً يندم عليه.

الغضب يحمل الإنسان على أن يقول كلاماً فلحشاً ربما انتهي به إلى كلمة الكفر عياضاً بالله، ربما حمله على أن يطلق زوجته، على أن يضرب أمه، على أن يعق أباه، كما هو مشاهد ومعلوم، ثم تجد الإنسان بعد ذهاب الغضب يندم ندماً عظيماً، وما أكثر الذين يسألون : غضبت علي زوجتي فطلقت، غضبت عليها فطلقتها بالثلاثة، غضبت علي فلانة فحرمت عليه، وما أشبه ذلك، فأنت أيها المسلم لا تغضب لا تغضب، فإن الغضب لا شك أنه يؤثر على الإنسان حتى يتصرف تصرفاً غير مدروس. . لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر من دعاء: (اللهم إني أسألك كلمة الحق في الغضب والرضا) رواه أحمد بسند صحيح، إن الغضب إذا اعترى العبد ، فإنه قد يمنعه من قول الحق أو قبوله، فأول الغضب جنون وآخره ندم، وربما كان العطب في الغضب، ومن الصفات التي امتدح الله بها عباده المؤمنين المتقين البعد عن الغضب كما في قوله تعالى: { الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين}، فهذه الآية تشير إلى أن الناس ينقسمون إلى ثلاث مراتب : فمنهم من يكظم غيظه ، ويوقفه عند حده ، ومنهم من يعفوا عمن أساء إليه ، ومنهم من يرتقي به سمو خلقه إلى أن يقابل إساءة الغير بالإحسان إليه.

السيطرة على الغضب والتحكم في انفعال الغضب كثرة والسيطرة على النفس من الأمور بالغة الأهمية لكي ينجح الإنسان في حياته ويستطيع أن يتوافق مع نماذج البشر على اختلاف طباعها وأخلاقها.. وأيضاً لكي يتجنب ما يسببه الغضب من اضطرابات نفسية وعضوية متعددة، ويتفادى التصادم والاحتكاك والذي يحصد ـ بسببه خصومات وعداوات كثيرة، (ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم * وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم).

إننا نجد الكثير من الذين يغضبون لأتفه الأسباب ويتببون في تمزيق الأسرة والأرحام لا يتحرك لهم أي غضب إذا انتهكت حرمات الله، ويصدق فيهم المثل ( يسر العدو ويحزن الصديق) فخلق هؤلاء يختلف تماما عن خلق النبي صلى الله عليه وسلم ففي الحديث أنه عليه الصلاة والسلام (كان لا يغضب لنفسه قط ولا ينتقم لنفسه قط وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله)، وقالت عائشة رضي الله عنها: (ما انتقم رسول الله صلى الله عليه وسلم لنفسه في شيء قط إلا أن تنتهك حرمة الله فينتقم لله بها). متفق عليه. وفي صحيح مسلم: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يُجاهد في سبيل الله.

يتصدر الغضب وسرعة الانفعال قائمة العوامل المسببة للاضطرابات النفسية والتشوش الذهني وإهدار طاقات الناس النفسية والبدنية ، وهو أيضاً من أهم أسباب اختلال التوافق واللياقة النفسية والاجتماعية , وهناك حقيقة لا تقبل الجدل تقول :” لا ينال العلا من كان طبعه الغضب ” ، فالغضب لا يفرز إلا الضغينة والحقد ، وهو نار تحرق العقل وتسحق البدن وتصيبه بأمراض لا حصر لها . ويتفق معظم علماء النفس على أن الغضب ضرورة لحماية النفس من عدوان العالم الخارجي ، ولكن عندما يصبح الفرد سهل الاستثارة يغضب لأتفه الأسباب وتزداد حدة انفعالاته لفترات طويلة فانه سوف يعانى من أعراض التوتر المستمر والقلق المزمن وضعف التركيز والإعياء الذهني و البدني وفقد الرغبة فى الاستمتاع بالحياة ، مع بعض الأعراض الاكتئابية.

أيها المسلمون: روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( ليس الشديد شديد الصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، تجد من الناس من ابتلي بمتابعة حلبات المصارعة ويظن أن القوي والشديد هو الذي يصرع الآخر، ولكن المفهوم النبوي يقول: (ليس الشديد شديد الصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب)، نعم المؤمن إذا غضب لا يخرجه غضبه عن الحق ولا يوقعه غضبه في الباطل.

الغضبان يؤاخذ شرعا بما يصدر منه من أقوال وأفعال محرمة من سب ولعن ودعاء. ففي صحيح مسلم عن عمران بن حصين أنهم كانوا في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض أسفاره وامرأة من الأنصار على ناقة فضجرت فلعنتها فسمع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: (خذوا متاعها ودعوها). وثبت في مسلم أيضا من حديث جابر أن رجلا كان يسير مع النبي صلى الله عليه وسلم في بعض غزواته فلعن ناضحا له. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (انزل عنه فلا تصحبنا بملعون لا تدعوا على أنفسكم ولا تدعوا على أولادكم لا توافقوا من الله ساعة يسأل فيها عطاء فيستجيب لكم). ودلت النصوص على أن الغضبان مكلف حال غضبه تنفذ تصرفاته وتصح عقوده ما دام يعقل فيؤاخذ إذا صدر منه كفر أو قتل نفس أو إتلاف لمال ويقع منه الطلاق والعتاق والظهار واللعان واليمين. واختلف الفقهاء في وقوع طلاق الغضبان على أقوال والصحيح أن طلاقه يقع إلا في حالة انغلاق عقله، ( فلا طلاق في إغلاق).

الله أصلحنا وأصلح بنا…