التحذير من الشذوذ الكلي والجزئي

الشذوذ_عن_صراط_اللهالحمد لله الملك العلام ذي الجلال والإكرام، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمداً عبده ورسوله، وبعد: فإنه ومما لا ريب فيه، أن الله جل وعلا أمر عباده المؤمنين بالدخول في الإسلام كافة، وهذا الأمر يشمل الأخذ بجميع جوانب الإسلام ، ويشمل إخضاع كل الجوارح والقوى والعقول وكل شؤون الحياة لمنهج الإسلام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ ) سورة البقرة آية 208 وقال تعالى: (قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ) سورة الأنعام آية 162-163

وقد تمرد كثير من الناس على هذا الأمر الإلهي، فلم يدخلوا في السلم كافة، واتبعوا خطوات الشيطان، ولم يهبوا حياتهم ومماتهم لله رب العالمين لا شريك له، فكان شذوذهم متفاوتاً، وأخذ أنواعاً شتى، فمنها الشذوذ الكلي ومنها الشذوذ الجزئي.

الشذوذ الكلي، هو الشذوذ عن سنة الني صلى الله عليه وسلم، ومخالفة هديه، ( ومن شذ شذ في النار) ويتناول أيضاً الانحراف عن الفطرة التي فطر الله الناس عليها ، كما هو الحال في شأن المترجلات من النساء والمخنثين من الرجال، وفي الحديث عن ابن عباس رضي الله عنهما ، قال: ( لعن النبي صلى الله عليه وسلم المخنثين من الرجال ، والمترجلات من النساء) رواه البخاري  – كتاب الحدود  باب نفي أهل المعاصي والمخنثين – حديث:‏6459‏ .

أما الشذوذ الجزئي، فيتناول شذوذ بعض الجوارح مع استقامة بعض الجوارح الأخرى، وذلك حال كثير من الناس، فبعضهم شاذ بصرياً، فلا يقع بصره إلا على العورات فقط، ومن هذا النوع الذي لا يرى عيوب نفسه، وتجده يتتبع عورات الناس، ويتتبع أخطاءهم، ويطلق للبصر العنان وينظر بلا اتزان، وقد أمر الله جل وعلا عباده المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، قال تعالى: ( قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ …الآية) وبعدها قال: ( وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ ) سورة النور آية 30-31

ومن ذلك عدم الاتزان في النظر بلا عدل وإنصاف، على حد قول الشاعر :

وعين الرضا عن كل عيب كليلة  ** ولكن عين السخط تبدي المساويا.

من الشذوذ الجزئي أيضاً الشذوذ اللساني: فلا يكاد يتكلم  الشاذ اللساني إلا بما فيه إثم وسيئة، من غيبة ونميمة وزور وبهتان وسب وإشاعة، وهذا يسمى بالشاذ اللساني، فإذا تكلم تكلم بما يؤاخذ عليه، وقد أمر الله جل وعلا بالقول السديد وبالقول الحسن وبالقول الطيب كما جاء في نصوص الوحي.

من الشذوذ الجزئي الشذوذ السمعي، وهذا النوع لا يسمع إلا الأغاني والمزامير ويخضع لسماع الإشاعات، ويحدث بكل ما يسمع، وقد اتهم المنافقون رسول الله صلى الله عليه وسلم بهذا الجانب، فبرأه الله من هذه التهمة، فقال عز من قائل: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيِقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَرَحْمَةٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ مِنكُمْ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) سورة التوبة آية 61

من الشذوذ الجزئي نوع آخر من الناس يعتبر شاذاً يدوياً، فبمجر كلمة تغضبه يرفع يده ليطعن بخنجر أو يرمي بسلاح أخاه المسلم ليرديه جريحاً أو قتيلاً بلا مبرر، بينما النبي صلى الله عليه وسلم لم يضرب بيده أحداً إلا أن يقاتل في سبيل الله، وما انتقم لنفسه صلى الله عليه وسلم ولا غضب لنفسه وإنما كان يغضب إذا انتهكت حرمات الله، كما جاء في الحديث الصحيح عن عائشة رضي الله عنها قالت: (ما ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده شيئا قط ، إلا أن يضرب بها في سبيل الله ، وما انتقم لنفسه من شيء يؤتى إليه إلا أن تنتهك حرمات الله فينتقم لله ، وما سئل شيئا قط فمنعه إلا أن يكون مأثماً فإنه كان أبعد الناس منه ، وما خير بين أمرين قط إلا اختار أيسرهما) رواه البخاري  – كتاب الحدود ، باب إقامة الحدود والانتقام لحرمات الله – حديث:‏6416‏  ورواه الطبراني في مكارم الأخلاق  – باب فضل العفو عن الناس  حديث:‏ رقم 59 واللفظ له .‏

.من الشذوذ الجزئي:  أن هناك أيضاً الشاذ بجلوسه مع الفاسدين دون تعليم للجاهل أو تذكير للغافل، وقد حذر الله من هذا الشذوذ كما في قوله تعالى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) سورة النساء آية 140 وقال تعالى: (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلاَ تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) سورة الأنعام آية 68‏

من الشذوذ الجزئي: الخلل في اتخاذ الخليل واصطفاء الصديق ، وقد ورد التحذير من هذا السلوك في كثير من النصوص مثل قوله تعالى:(وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً) سورة الكهف آية 28 ، وقوله تبارك وتعالى: ( فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّى عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) سورة النجم آية 29

وهناك الشاذ مطعماً أو مشرباً، أحدهما أو كلاهما، فيشرب الحرام ويأكل الحرام، وثم شذوذات أخرى .

وقد حرص النبي صلى الله عليه وسلم على إعمال جوارحه كلها في طاعة الله، وهو القدوة والأسوة، وأرشد أمته إلى ذلك، وكان يكثر من الدعاء للعمل بذلك، فعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما ، قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه : ” اللهم اجعل في قلبي نوراً ، وفي لساني نوراً، وفي بصري نوراً ، وفي سمعي نوراً ، وعن يميني نوراً ، وعن يساري نوراً ، وفوقي نوراً ، وتحتي نوراً ، وأمامي نوراً ، وخلفي نوراً ، واجعل لي نوراً ” رواه البخاري  – كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا انتبه بالليل – حديث:‏5967‏  ومسلم  – كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه – حديث:‏ رقم 1314 قال الله عز وجل: (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً ) سورة الأحزاب آية 21