حوار عن الوضع في اليمن والثورات العربية

يرى فضيلة الشيخ أن الثورات لا شك أن لها إيجابيات وسلبيات، ولكن إيجابياتها تتغلب على سلبياتها، وأن هناك من ركب موجة هذه الثورات لأغراض دنيئة، وينبغي لأهل الحق مزاحمة الباطل في كافة الأصعدة، واستغلال أي فرصة تتاح، وهذه سنة التدافع..

 حاوره/ رصاص الشعري

منبر علماء اليمن: أحسن الله إليكم؛ ما يحدث في الوطن العربي والعالم الإسلامي، نريد منكم فضيلة الشيخ أن تطلعونا على تقييمكم لما يحدث في اليمن وفي البلاد الإسلامية من ثورات ومن تغيير؟

الشيخ عيسى المعافا: حقيقة إذا سألتني عن الثورات وما دار في البلدان العربية، أنا قد كتبت مقالاً من بداية الثورة المصرية ونهاية الثورة التونسية، قد يكون مضى على المقالة فترة والمقال موجود في موقعي الرسمي، ومن أهم ما ذكرته في ذلك المقال: أنه ينبغي أن تستغل هذه الأحداث في صالح الإسلام والمسلمين بغض النظر عمن بدأها وعمن شعلها ومن وراءها ومن يُشعلها ومن ومن…الخ، باختلاف في المقاصد واختلاف النوايا، فينبغي للمسلمين عموماً وللسلفيين خصوصاً أن يكون لهم البصمة الواضحة في تسخير هذا الحدث لصالح الإسلام والمسلمين، كما ذكرنا أن هناك من ركب الموجة، ولكن لابد أن يكون هناك للدعاة والعلماء والمصلحين البصمة الواضحة يعني قد يكون مثلاً الأعداء أرادوا شراً نحن نجعله خيراً.. أرادوا فساداً نجعله إصلاحاً.. أرادوا التضييق على المسلمين، لماذا نحن لا نستغل هذا الحدث ونجعله في نشر الدعوة إلى الله عز وجل؟!

هناك حريات مكبوتة من بعض الدعاة، هذه الثورة جاءت متنفساً لها، كان النظام والأنظمة التي سقطت محكترة أو -كما يقال- معتقلة للعقليات الإيمانية، وتحارب الدعوة الإيمانية كدعوة حرة على المنابر، فقد يحجّمون بعض الخطابات الإسلامية ويسعون لما يسمى في هدفهم بالعلمنة، يريدون أن يكون الإسلام فقط طقوس في المحراب، وحتى المحراب لم يتركوه محراباً حراً، بل غزوه وقالوا: نريده محجّماً في ورقة مخصوصة محدودة لا تتجاوزها، وبثّوا في الصف الأول الجواسيس! فحتى المحراب ما تركوه، فلذلك هذه الثورة لا شك أنها سفينة تستخدم في المشي في عباب المجتمعات الإسلامية لتنشر صلاحها وتنشر بذورها وتنشر ثقافتها الإيمانية.

لا بد أن تتوسع قضية الدعوة إلى الله عز وجل بحرية، تتوسع قضية أيضاً المشاركة الإسلامية في المناهج الدراسية، بعض الدول عندهم مناهج دراسية مستوردة مغلفة منقولة إليهم من الخارج، لا! هذه الثورات تعمل على المشاركة العلمية السلفية في المناهج الدراسية، مشاركة السلفية العلمية في الطلب والتعليم، المشاركة في كذلك في أسلمة الاقتصاد، المشاركة في أسلمة السياسة والعلاقات الخارجية، فأنا متفائل جداً أن هذه الثورات وإن كانت تسببت في بعض الآلام الجانبية ولكن -كما يقال- الولادة لا بد معها من دماء، فإن شاء الله يكون المولود مباركاً، والنتيجة تكون منيرة، ونسأل الله عز وجل أن يكون ذلك لصالح الإسلام والمسلمين.

منبر علماء اليمن: من خلال ما تكلمتم حول هذا الموضوع كيف تقيّمون ما تمخضت عنه الثورة اليمنية على كافة الأصعدة؟

الشيخ عيسى المعافا: الثورة اليمنية أنا في نظري وتقييمي أنها قد قللت من الفساد الذي كان مستشرياً في البلاد، كان في السابق -ونذكر جميعاً- قضية ما حصل من محاربة الفضيلة، وإعطاء الحرية للمفسدين ليعبثوا بما شاءوا، وكذلك أيضاً قضايا الرشوات وقضايا نهب الأراضي والسطو على الممتلكات، وكذلك نذكر انتشار الفقر في اليمن بسبب سوء الإدارة، وكذلك أيضاً تحجيم التعليم، وكبت المواهب، فهذه كانت من جملة الأسباب لما حصل في اليمن، وكما يقال الضغط يولد الانفجار، فهذه الثورة -إن شاء الله تعالى- نرجو من الله عز وجل أن يجعلها من أهم الأسباب في نشر التوعية، وفي كذلك صقل مواهب الموهوبين وتنمية المواهب، وأيضاً الاهتمام في جانب الاقتصاد في البلد وحرية الاقتصاد وحرية الممتلكات بشكل كبير، والشخص يكون آمناً على حقوقه وممتلكاته.

أنا أذكر أن كثيراً من المستثمرين في السابق كانوا إذا جاءوا إلى الاستثمار يقال لهم: أربعين في المائة نسبة، فيهابون ولا يستثمرون، فنرجو أن يكون هناك بعد الثورة تفعيل الاستثمار وتشجيع الاستثمار، والناس قادمون على الاهتمام بهذا الجانب، حقيقة بأن الناس انتشر فيهم الفقر، والفقر هو أم الخبائث، إذا انتشر الفقر كان هو الباب للفوضى.. للسرقة.. للسطو.. للنهب.. للفحشاء والمنكر!! قد يبيع شخص عرضه مقابل شيء من المال.

منبر علماء اليمن: لكن فضيلة الشيخ: هناك سلبيات كثيرة نتجت عن هذه الثورة! مثلاً: وجود الحراك أيضاً والشيعة وجنودهم، ولا يخفى عليكم جهودهم على كل المستويات، أيضاً ارتفاع كثير من السلع، فقْد كثير من الناس لوظائفهم، كيف توازنون بين ما تذكرونه من إيجابيات وبين هذه السلبيات؟

الشيخ عيسى المعافا: ذكرنا السلبيات هي كانت مواتية للحديث، ولا بد أن تحصل هذه؛ لأن الحدث كان حدثاً كبيراً، فلا بد أن تحدث مثل هذا الأمور من فقد للوظائف.. من رفع للأسعار لتعويض ما حصل، لا بد أن يحصل هذا الشيء؛ لأنه كان مواتياً للحدث لكن بالتدرج والأيام إن شاء الله تعالى تبدأ تقلصات السلبيات والتنمية للإيجابيات، وهذا هو الذي ندعو الله تعالى أن يحققه.

بالنسبة للحوثيين أو الحراك للانفصال أو دعاة البدع وغير ذلك فهذه أنا في نظري ودراستي لتاريخ اليمن أنها عبارة عن فقاعات أمام صخرة، اليمن تعرفه اليمن السلفي اليمن السني، دولة سنية بلاد إسلامية بلاد الإيمان والحكمة، بلاد كان لها قصب السبق في تلقي دعوة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، وكان لها النصيب الأوفر في بعث كثير من الصحابة الكرام رضي الله عنهم إلى هذه البلاد العظيمة، وكان لها كذلك أيضاً النصيب الأوفر من مدح الرسول صلى الله عليه وسلم حيث أثنى عليها في كثير من الأحاديث، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: «الإيمان يمانٍ والحكمة يمانية»، حتى دعا بعض أهل العلم إلى التصنيف في هذا الجانب، ما هي النصوص الواردة في ثناء الرسول صلى الله عليه وسلم في أهل اليمن، فهي نصوص كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها، فلذلك هذه البلاد لا ننظر إلى قضية أهل البدع فهيا، وإلى قضية مناداة بعض الأهواء لأن يكون لهم فيها بعض المجالات، وإن شاء الله تعالى ستتسع أنوار الفجر الواضح فيها حتى تكون بلاداً تنشر الخير على جميع الأصعدة في جميع الأصقاع.

منبر علماء اليمن: فضيلة الشيخ! سمعتم بإعلان وتدشين اتحاد الرشاد السلفي، ما موقفكم من المشاركة السلفية السياسية بإنشاء حزب سياسي؟ وما الذي ترونه من إيجابيات لهذا أو سلبيات؟

الشيخ عيسى المعافا: من حيث الجملة أقول: ينبغي لكل سلفي أن يؤمن بأهمية المشاركة للسلفيين ببصمات على جميع الأصعدة، بعض الإخوة السلفيين في هذه البلاد ما زال عندهم مفاهيم عن حسن نية، ولكنهم ينصرون العلمانيين من حيث لا يشعرون، فالعلمانيون يقولون: لا بد من انفصال الحياة عن الدين، فنحن السلفيين إذا بقينا في المحراب ما نعرف من الدين إلا المحراب فقط وليس لنا مشاركة في السياسة ولا في الاقتصاد ولا في سوق البيع والشراء ولا في العلاقات الخارجية ولا في المستجدات وتحويرها على ما ينبغي أن تحول إليه شرعاً، فنحن إذا بقينا متقوقعين في قوقعة ننصر العلمانيين من حيث لا نشعر.

أنا أقول: إنه ينبغي للإخوة السلفيين في اليمن أن يكون لهم حضور في جميع مجالات الحياة، مع محافظتهم على الشخصية الإسلامية السلفية القوية، يعني: لا نقول للشخص أنت كنت صاحب الزي الإسلامي واللحية خلاص الآن تحلق اللحية وتلبس الكرفتة وتذوب، لا. هذا لا ينبغي أن يكون.

منبر علماء اليمن: وهذا الذي يخشاه من يمنع من الدخول في هذا؟

الشيخ عيسى المعافا: أي نعم  من يمنع يحتج بهذا! ولكن الحقيقة أنه إذا نظرنا إلى الجوانب المنهجية في سيرة الرسول -اللهم صل وسلم عليه- رأينا تقصيرنا في إدارة الأمور، لماذا لا نستثمر قضية البنود التي وقعها الرسول صلى الله عليه وسلم في الحديبية؟ لماذا لا نستثمر كذلك سياسته عليه الصلاة والسلام في التعامل مع الكفار، كيف تعامل معهم؟ لماذا ما نستثمر كذلك حديثه حين قال عليه الصلاة والسلام: «من لكعب بن الأشرف؟ فانبرى له محمد بن مسلمة رضي الله عنه وقال: أنا يا رسول الله، لكن ائذن لي أن أقول مقالاً» والرسول عليه الصلاة والسلام أذن له، في بند السياسة حتى يحقق الهدف.

يعني أنا أقول: إن فساداً نسبته تسعة وتسعون في المائة أقبح وأخزى وأشنع من فساد بنسبة ثمانين في المائة، لماذا ما ننشر ثقافة الفقه الذي يقول: ليس الفقيه هو من يعرف الخير والشر فحسب ولكن الفقيه من يعرف خير خيرين وشر الشرين، لماذا ما ننشر ثقافة العلماء التي ذكرها الحافظ الإمام السعدي رحمه الله في قوله:

الدين مبني على المصالح *** في جلبها والدرء للقبائح

فإن تزاحم عدد المصالح *** يقدم الأعلى من المصالح

وضده تزاحم المفاسدِ *** يرتكب الأدنى من المفاسدِ

كيف يكون الأمر إذا كان ما يسمى بالبرلمان ومجلس النواب ليس فيه أي حضور لمن يفزع من أجل الله، ليس فيه أي حضور لمن يخاف من غضب الله، ليس فيه أي حضور لمن عنده العلم الراسخ في توجيه المجتمع، ولو بمشاركة نسبية؟ لا معنى لمن يقول للسلفيين: ابقوا في بيوتكم ليس لكم حضور في الحياة الأخرى.

منبر علماء اليمن: فضيلة الشيخ: العمل السياسي هو متعدد النشاطات، وإنما التشكيل الحزبي هو جزء من هذا العمل السياسي، فلا يعني كثير من هؤلاء العلماء الذين يمنعون الدخول والمشاركة في العمل السياسي كحزب، يقولون: نحن لنا عمل سياسي لكن ليس عن طريق التحزب؛ لأنهم يرون أن في التحزب كما ذكرتم ذوبان الشخصية الإسلامية من خلال تجارب كثير من الحركات والأحزاب الإسلامية، وأيضاً يرون أن فيه إضفاء للمشروعية على هذه العملية الديمقراطية، ويرون فيه أيضاً أن خروج هذا الحكم الشرعي بأغلبية مجلس النواب نادراً ما يأتي موافقاً للشرع، وإن أتى موافقاً للشرع بالأغلبية فيقولون: الآن ليس مصدره تشريع الله وإنما الأغلبية، فما رأيكم في مثل هذه الآراء التي يراها كثير من الناس أنها وجيهة؟

الشيخ عيسى المعافا: أنا أقول: كل من رأى من نفسه أنه سيذوب لا يشارك، هذه هي باختصار، ومن رأى في نفسه القوة والإخلاص وحسن النية في أنه يغلب جانب صوت الحق، وينتقد صوت الباطل، يقف بالحجة، يعني يقول أنا الآن لي القانون في المشاركة، فلماذا ما يكون لي قبول عندكم في الكلام، فمثلاً إن أرادوا أن يفعلوا حدثاً مفسداً في البلد فهذا احتج بجماعته التي في صفه بأن هذا الحدث لا يجوز، ونحن سنحاربه، وسنحشد المجتمع ضد هذا المنكر، مثلاً قالوا سنفتح في مكان كذا وكذا مرقصاً حر اً للفاحشة، فهذا الصف قالوا: لا، نحن في أعلى السفينة، وإذا فتحنا الخرق للذين في أسفل السفينة غرقت، فلا بد أن يكون لنا منع بوسيلة وأخرى، نأخذ على أيديهم ونمنعهم، وهذا أسلوب من أساليب المنع.

منبر علماء اليمن: لكن هذا لن يعدو هذا المنع، لن يعدو الإنكار باللسان وهو الإنكار البياني والعلمي، ولهذا يقول بعض العلماء المخالفين للعمل السياسي: هذا متيسر في شتى المنابر التي نستطيع أن نتواصل مع المجتمع فيها، كبعض القنوات أو في المساجد أو في أي مكان آخر، فما دام أنه سيبلغ هذا البلاغ فما جدوى دخولي والزج بالشباب الذين نخشى عليهم من الانخراط في العمل السياسي بما يضعف العملية العلمية والتربوية؟

الشيخ عيسى المعافا: نحن الآن نعيش في هذا العصر في عصر ما يسمى بالعلاقات العامة الخارجية، المجتمع العالمي ينظر إلى ما ذكرته من المتكلمين في المساجد في المنابر أنهم بلا قانون، نحن لسنا متفقين مع هذه التسميات أنهم خارجون عن القانون، وأنهم لهم صبغة الإرهاب، وأنهم يحاربون الحرية وأنهم.. لكن هؤلاء الذين في وسط الحدث في البرلمان هم عندهم قانون، ونحن الآن ننظر إلى مشاركة الإسلاميين في مصر أنها ستكون ناجحة، وأيضاً عندنا تفاؤل أن تكون مشاركة الإخوة الغيورين في هذا البلد الذين يريدون أن تبقى مسيرة اليمن مسيرة إسلامية خالصة أن يكون لهم المشاركة القانونية إلى جانب النشاط الآخر في المساجد وفي المدارس، وفي المراكز العلمية وإقامة الكوادر العلمية.

أنا أذكر أيضاً مرة من المرات أحد الإخوة كان مغموماً في قضية من قضايا الفساد بجانب بيته، فذهب إلى إمام مسجد سلفي يشكو إليه، ما هو الحل؟ قال: يا أخي أنا صراحة أعرف أحد الإخوة الموظفين في البرلمان، وعندي تلفونه سأتصل به وأخبره وأتواصل معه من أجل أن يعيننا على حل هذا الشيء، وراح وذهب واتصلوا للأخ هذا الذي هو مشارك في البرلمان، طيب! لماذا لا يكون منكم المشاركة بدل أن تستغيثوا بواحد أنتم تنكرون على مشاركته؟! فهذه حقيقة تناقضات عجيبة.

آخر أخبرني بأنه كان عنده مشكلة في مسألة السفر، عرقلوه في مسألة السفر أو وضعوا عليه عقبات في مسألة السفر، فذهب إلى أحد الإخوة في المسجد وهو معروف، فكلّمه، قال له: أنا أعرف أحد الإخوة يعتبر قريباً من السلفية لأخلاقه هو غير سلفي في نظره لكنه قريب من السلفية في أخلاقه وصدقه، سأتصل به ليعينك على هذا الباب وهو موظف في مكتب الطيران! أقول: لماذا لا تكون منكم المشاركة يا سلفيين في هذا المكان، إذاً لماذا تمنعونه من المشاركات الأخرى؟ هذا التناقض ينبغي أن يغيب وأن يتركوا هذا التعارض.

التناقض هذا في مسألة أنك تبقى متقوقعاً في مكان، وتنهى عن المشاركات الأخرى مع حاجتك الماسة إلى من يشارك فيها، الرسول عليه الصلاة والسلام كان له مشاركات يخرج إلى السوق يأمر وينهى ويقول:«من غشنا فليس منا» مد يده في الصبرة وهي مبلولة فينكر، يذهب يعني يقول: «لو دعيت إلى حلف الفضول لشاركت»، وكان حلفاً شارك فيه قبل البعثة، وتمنى أن يشارك فيه بعدها.

كذلك أيضاً كان ينتصر للمظلوم، وبيد من قوة، وينصر الآخرين ويقول: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً» فكيف تنصره وأنت تتكلم بدون قانون في نظر المجتمع والواقع؟!

منبر علماء اليمن: لكن فضيلة الشيخ: النبي صلى الله عليه وسلم لم يقدم تنازلات حتى ينصر المظلوم، أو ينهى عن منكر، أو يأمر بالمعروف، ومن ضمن ذلك أنهم أرادوه على أن يسودوه ويملكوه على مكة لكن لأنه يعرف أنه ليس معه قاعدة جماهيرية لم يقبل بذلك، فمن هنا يستدل الكثير على أنه إذاً الأصل القاعدة الجماهيرية، وأننا ولو صعدنا وليس لنا القاعدة القوية فممكن أن تحل هذه الحكومة الإسلامية كما حُلت حماس أو غيرها، وحدثت وقائع من هذه؟

الشيخ عيسى المعافا: أنا أقول إن هذا الكلام ليس معناه أننا ونحن نشارك في هذه البصمة أننا ننحل من النشاط الآخر لا، لا يفهم هذا، ليس المقصود أننا نشارك في البرلمان على حساب أن نهدم النشاط الآخر، لا، هذا مفهوم غير وارد، ولكن الواقع أن يكون لنا حضور في كل الأصعدة، مثلاً صعيد السوق يعني بعض الناس مفهومه أن هذه الأماكن ينبغي أن نتركها، ونعيش على الزكوات وعلى الصدقات ونجلس في المسجد ليس لنا حضور، لماذا؟ قال: ذاك البنك ربوي وهذا فيه ربا في السوق وخلاص، طيب لا تعمل للربا، اعمل للإسلام “دلوني على السوق” كما قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه.

شارك، وانهض بدعوتك وأنت غير ذليل لأحد، ربما بعضهم يحارب جوانب في الحياة ثم يطلب ممن يرابون أن ينصرهم بسيارة للدعوة، وأن ينصرهم في مسجد للدعوة، وأن ينصرهم في مدرسة للدعوة وهم من المرابين -إذا صح التعبير- فالخلاصة من هذا أنه ينبغي المشاركة.

الذي ذكرته أنت في سؤالك أنه يخشى من المجاراة والذوبان أو تقديم تنازلات، نحن نحذر من تقديم أي تنازل، والذي أنت ذكرته عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه امتنع عن أي تنازلات في مكة بالرغم أنهم اختاروه أن يكون سيدهم، وأن يزوجوه بأحسن بنت، ويعطوه المال، لكن هو ما قدم تنازلات وهذا الذي يجب، هم ماذا طلبوا منه؟ طلبوا منه ترك النبوة، أن يتوقف عن الرسالة، لا إسلام لا قرآن لا توحيد لا دعوة، هذا الطلب يرفضه أي مسلم عاقل فضلاً عن نبي مرسل عليه الصلاة والسلام، ثم لما رأى المشركون رفضه طلبوا طلباً آخر لعله في نظرهم أقل، فقالوا نعبد إلهك تارة واعبد آلهتنا تارة! فأنزل الله ( قل يا أيها الكافرون * لا أعبد ما تعبدون) …إلى آخر السورة.

أنا أقول: إن المشاركة في البرلمان لا تعد تنازلاً من الشخص أو الجماعة عن الدين الإسلامي، التنازل هو تعمد ترك الإسلام أو شيء من ثوابته وقيمه، تنازلات يقدمها بكل عمد وجرأة دون أي مبرر شرعي، من هو الذي يقول إن الانتخابات تعتبر محرمة من جميع الجوانب، هذا القول صراحة قول غريب، كثير من النصوص في القرآن والأحاديث النبوية فيها الترشح فيها الانتخاب وفيها طلب المسؤولية، قال يوسف عليه الصلاة والسلام: {اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف:55]، الرسول صلى الله عليه وسلم قال في الحديث المتفق عليه: «استهموا على سفينة» يعني كان لهم نوع من المسابقة، فالذين فازوا بالصلاح كان لهم العلياء ومحاربة الفاسدين، وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه خرج بنفسه يجمع أصوات المسلمين من الصحابة والصحابيات لأجل إرساء الحكم.

القضية وما فيها ينبغي أن يرجع الإخوة الذين يحبون أن يكون هناك نوع من القوقعة في أماكن مخصوصة ليس لها مشاركة في الحياة الأخرى، نحن نقول: شاركوا في الحياة الأخرى مع الحفاظ على السلفية، مع الحفاظ على العقيدة الراسخة، لكم حضور في الحكم في التربية في المناهج الدراسية والتجارة والسوق، حضور في الاقتصاد، حضور في السياسة الخارجية، السياسة الشرعية، الرسول صلى الله عليه وسلم انتهجها.. السياسية الشرعية هذا فن دعوي كبير، الرسول صلى الله عليه وآله وسلم استخدمها؛ لنقرأ سيرته في مسألة بنود صلح الحديبية هي من أهم السياسات.

هناك نصوص ذكر فيها العلماء أنها تتنزل في أوقات معينة، يعني نصوص من القرآن والسنة تعتبر منسوخة في وقت ومحكمة في وقت آخر، مثل قوله صلى الله عليه وسلم لحذيفة بن اليمان رضي الله عنه، في الحديث الطويل  «اعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على جذع شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك»، هذا ليس معناه سارياً في جميع الناس وجميع الأماكن وجميع العصور،  بل له أناس دون آخرين وله مكان دون مكان وعصر دون عصر له وقت دون وقت، كذلك يذكر علماء التفسير في قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ} [النساء:77] إلى آخر الآية من سورة النساء، أن هذه الآية محكمة في أوقات ومنسوخة في أوقات أخرى.

السياسة المكية أو الدعوة المكية ليس معناها أنها انقطعت بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بل هي باقية متى توفرت الشروط والظروف التي عاشها الرسول في مكة، يعني كل وقت جاءت فيه ظروف تطابقت مع ظروف حياة الرسول الكريم في مكة ودعوته في مكة فالدعوة مكية، الدعوة المدنية لم تنقطع بموت الرسول عليه الصلاة والسلام بل هي منهج نبوي إلى قيام الساعة، متى كانت الشروط والروابط والظروف كذلك مواتية وحاضرة ومطابقة لما عاشه في المدينة.

كذلك الرسول صلى الله عليه وآله وسلم قد يقول قولاً واحداً في وقت واحد في عمره كله، ويكون هذا منهجاً للأمة، مثل ذلك حديث ابن مسعود رضي الله عنه، ورد عنه في مسند أحمد وسنده صحيح أنه قال: «خط الرسول صلى الله عليه وآله وسلم خطاً مستقيماً وخط خطاً معوجاً، وقال: هذا خط الله المستقيم وهذه خطوط أو سبل ما من. سبيل إلا وعليه شيطان يدعو إليه، ثم قرأ قوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ولا تتبعوا السبل } [الأنعام:153] إلى آخر الآية»، هذا فعله الرسول مرة واحدة، في حديث آخر:«أنه خط خطاً مربعاً وسهماً طويلاً وقال: هذا الإنسان وهذا أجله» إلى آخر الحديث، لكن هذا أعطى الأمة الإسلامية منهجاً إلى قيام الساعة في الدعوة بالرسم، والذي يفعله الآن إخواننا في موقع منبر علماء اليمن مثلاً من المونتاج ومن المربعات الهادفة ومن المخططات التي فيها نوع من لفت النظر.

منبر علماء اليمن: والتدليل بالصورة.

الشيخ عيسى المعافا: والتدليل بالصورة، وفيها تواؤم بين المقام مع الصورة، هذه كلها فن دعوة مع أن الرسول صلى الله ليه وسلم فعلها مرة واحدة وكان منهجاً للأمة، فدعوته المكية هي منهج إلى قيام الساعة، دعوته المدنية منهج إلى قيام الساعة، صلح الحديبية لم ينقطع بانقطاع العام أو السَنة التي كان فيها الصلح، بل هو منهج الأمة متى كانت الظروف مشابهة ومطابقة لذلك.

ينبغي للداعية السلفي أن يستدعي الظروف، ويحلل المسائل، ويستحضر ما يحيط بالمسالة، وينظر إلى الواقع بسلبيات وإيجابيات وترجيح المصلحة، وتقليل المفسدة، فهذه الأمور مهمة جداً، نحن لو قرأنا مثلاً قضية ما ذكر عن عبد الله بن حذافة السهمي رضي الله عنه لما تعامل مع الكفار وخلص بإخراج الأسرى، كان نوعاً من السياسة، فلماذا نحن لا يكون عندنا حضور في هذا الجانب وإعمال السياسة الشرعية؟ وقد ألف فيها ابن تيمية رحمه الله كتاباً وسماه “السياسة الشرعية” وكذلك في مؤلفات تلميذه ابن القيم رحمه الله، وغير ذلك من الكتب المفيدة.

الخلاصة في الموضوع أنه ينبغي للسلفية بشكل عام والسلفيين أن يكون لهم حضور وبصمة في كل مجالات الحياة من حيث التنظير، ومن حيث الترشيد، ومن حيث التعديل والتوجيه، مع محافظتهم على حسن عقيدتهم وسلامة تمسكهم، وعلى سلامة سلوكهم، وعلى حسن أخلاقهم ونمو علمهم الذي تعلموه من الكتاب والسنة بدون أي تنازل لشيء، ربما هناك مفسدة تكون كبيرة لا يستطاع تفاديها والاحتجاب عنها وإبعادها واجتثاثها إلا بارتكاب مفاسد أدنى؛ فالفقه يقول: نعم ترتكب المفسدة الأدنى، لماذا الرسول صلى الله عليه وسلم ترك إعادة بناء  الكعبة مع تمنيه لذلك ومع إصراره وعزمه على ذلك، قال:«لولا أن قومك حديثو عهد بإسلام» إلى آخر الحديث، هذه كلها من السياسات الشرعية، فلماذا لا يكون لنا حضور في هذه المجالات، لماذا نحن نحتاج إلى من ننتقدهم في أمور هم فيها، ونمنعهم من فعلها ونحتاج أن يعينونا من جهتهم، لا. هذا حقيقة تناقض ينبغي أن نكون نحن نمثل القيادة والريادة والقوة والقدوة والأمر والنهي؛ لأن الأمة حقيقة في غنى عن قضية يعني ما يسمى بالانزواء.. الأمة تحتاج إلى انبساط في المجتمع وحضور مع التمسك بالإسلام وثوابته وقيمه وأخلاقه.

منبر علماء اليمن: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ! كلمة أخيرة تودون قولها؟

الشيخ عيسى المعافا: أنا أنصح نفسي أولاً وإخواني ثانياً بمواصلة الدعوة إلى الله عز وجل وتوظيف المهارات، أنت قد تسألني تقول: ما هو مثلاً دورك كشخص مثلاً ترشد الناس أو تنظر للناس، حقيقةً أنا دوري كشخص فرد محدود مثلاً المجال في الدعوة إلى الله عز وجل على حسب استطاعتي، وأنا كفرد أشد يدي مع أيدي إخواني الآخرين المخلصين في الدعوة إلى الله عز وجل، وأنصح كذلك إخواننا المقبلين على طلب العلم أن يحفظوه بجد، وأن يعملوا به بجد، وأن يواصلوا التعليم، فقد قال الشاعر:

أخي لن تنال العلم إ لا بستةٍ *** سأنبيك عن تأويلها ببيانِ

ذكاءٌ، وحرصٌ، واصطبار، وبُلْغةٌ *** وإرشاد أستاذٍ، وطول زمانِ

منبر علماء اليمن: أحسن الله إليكم فضيلة الشيخ، وجزاكم الله خير الجزاء على ما أتحفتمونا به، ونسأل الله جل وعلا أن يكتب أجركم، وأن يضاعف مثوبتكم.

أخيراً نستغفر الله جل وعلا إن كان هناك زلل في هذا اللقاء، ونشكره سبحانه وتعالى على ما وفق فضيلة الشيخ إليه من صواب، وصلى الله وسلم على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.