خطبة مكتوبة عن وجوب التوبة

الحمد لله…

 

اعْلَمُوا إِخْوَةَ الإِيمانِ أَنَّ لِلذَّنوبِ والمعاصي آَثَارًا خطيرة في تدين المسلم وفي دنياه وفي صحته وفي حياته الخاصة والعامة وفي عاقبة أمره، وأخطر آثارها المدمرة الآثار التي تغزو القلب فيصاب القلب بالقسوة والغفلة فَقد رَوَى أَصْحابُ السُّنَنِ بسند صحيح عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّمَ أنه قال: (إِنَّ الْعبد إِذا أَذْنَبَ نكت في قلبه نُكْتَةٌ سَوْداءُ فَإِذا تابَ وأناب ونَزَعَ وَاسْتَعْتَبَ صُقِلَ قَلْبُهُ، (أي صار صافياً نقياً) وإِنْ عاد إلى الذنب نكت في قلبه نكته سوداء، فإذا تاب وأناب صقل قلبه، فإذا عادَ عادَتْ حَتَّى يعلو قَلْبهُ الران فَذَلِكَ الرّانُ الَّذِي قالَ اللهُ تَعالى: ﴿كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَ (۱٤)﴾ سورة الـمطففين.

فتتابع الذنوب مع الغفلة عن التوبة أمر في غاية الخطورة، فَلا يَنْبَغِي لِلْمسلم أَنْ يُهْمِلَ التَّوْبَةَ وإِنْ كانَ يضعف ويُعاوِدُ الذَّنْبَ فَإِنَّ في التَّوْبَةِ مِنَ الذَّنْبِ صَقْلاً لِلْقَلْبِ وتنقية له وحماية للقلب مِنْ قَبْلِ أَنْ يَعْلُوَهُ الرّانُ فيفسده، فكرر التوبة أيها المسلم، ولو مع كثرة الخطأ، فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ بسند صحيح عَنْ رَسُولِ اللهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّم أنه قال: (كُلُّ بَنِي آدَمَ خَطَّاءٌ وخَيْرُ الخَطَّائِينَ التَّوَّابُونَ) واعلموا عباد الله أن ترك التوبة ظلم، فالله يقول: ( ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون)

 

التَّوْبَةُ إِخْوَةَ الإِيمانِ واجِبَةٌ عَلى الفَوْرِ بدلالة الكتاب والسنة وإجماع الأمة، تجب التوبة مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ كَبِيرًا أَوْ صَغِيرًا .. فَلاَ تَسْتَصْغِرَنَّ مَعْصِيَةً فَتَتْرُكَها مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَإِنَّكَ تَعْصِي الإِلَهَ فَلاَ تَنْظُرَنَّ أَخِي الْمُسْلِمَ إِلى صِغَرِ الْمَعْصِيَةِ ولَكِنِ انْظُرْ مَنْ عظم وجلال من تَعْصِي، وبادِرْ بالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعاصِي كَبِيرِها وصَغِيرِها، بادِرْ إِلى التَّوْبَةِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ بِالإِقْلاعِ عَنْها مَعَ النَّدَمِ عَلَى عَدَمِ رِعايَتِكَ حَقَّ اللهِ الَّذِي خَلَقَكَ وأَنْعَمَ عَلَيْكَ بِنِعَمٍ لا تُحْصِيها ثُمَّ أَنْتَ تَسْتَعْمِلُ نِعَمَهُ في مَعْصِيَتِهِ؟!

التوبة لها شروط وهي: الإقلاع عن المعصية والندم على فعلها والتعزم على تركها والبراءة منها وإعادة الحقوق إلى ذويها، وقد اجتمعت هذه الشروط في قوله تبارك وتعالى: ( وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحاً ثم اهتدى)

تُوبُوا إِخْوَةَ الإِيمانِ إِلى اللهِ وَٱعْزِمُوا في قُلُوبِكُمْ أَنَّكُمْ لا تَرْجِعُونَ إِلى مَعْصِيَتِهِ مِنْ قَبْلِ الفَواتِ فَإِنَّ الْمَوْتَ يَأْتِي بَغْتَةً ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ تُوبُواْ إِلى اللهِ تَوْبَةً نَّصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ (٨)﴾ سورة التحريـم.

 

إِنْ كانَتْ المَعْصِيَة أيها المسلمون بِتَرْكِ فَرْضٍ فَلابد من قْضاء ذلك الفرضِ، فَإِنَّ قَبُولَ تَوْبَتِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى ذَلِكَ، وَإِنْ كانَتْ مَعْصِيَتُكَ في حَقٍّ مِنْ حُقُوقِ عِبادِ اللهِ فَقَبُولُ تَوْبَتِكَ مُتَوَقِّفٌ عَلَى إِيصَالِ الحَقِّ لِمُسْتَحِقِّهِ وَالخَلاصِ مِنْ تَبِعاتِ العِبادِ فَقَدْ قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مَنْ كانَ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْها فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ في الآخِرَةِ دِينارٌ ولا دِرْهَمٌ، قالوا فماذا إذن يا رسول الله؟ قال: إنما هي الحسنات والسيئات، يؤخذ من حسناته حتى إذا فنيت أخذ من سيئاتهم وطرح عليه) أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

مَنْ كانَ لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ عِنْدَهُ مَظْلَمَةٌ في عِرضٍ كَأَنْ سَبَّهُ أو في مالٍ كَأَنْ أَكَلَ مالَ أَخِيهِ بِغَيْرِ حَقٍّ فَلْيُبرِئْ ذِمَّتَهُ اليَوْمَ فَإِنَّ الأَمْرَ يَوْمَ القِيامَةِ شَدِيدٌ .. يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وأُمِّهِ وأَبِيهِ وصاحِبَتِهِ وبَنِيه. إِنْ كانَ عَلَى الشَّخْصِ حُقُوقٌ لِلنّاسِ ماتَ مِنْ قَبْلِ تَأْدِيَتِها مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ أو تَبِعاتٌ ماتَ قَبْلَ الخَلاصِ مِنْها فَإِنَّ أَصْحابَ الحُقُوقِ الْمَظْلُومِينَ يَأْخُذُونَ مِنْ حَسَناتِ الظّالِمِ يَوْمَ القِيامَةِ، فَإِنْ لَمْ تَكْفِ حَسَناتُهُ لِذَلِكَ أُخِذَ مِنْ سَيِّئاتِ الْمَظْلُومِ فَحُمِلَتْ عَلَى الظّالِمِ ثُمَّ يُلْقَى في جَهَنَّمَ .. فَتُوبُوا إِلى اللهِ جَمِيعًا أَيُّها الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ أَنْ تَمُوتُوا وتذكروا حديث المفلس الذي يأتي بصلاة وصيام وصدقة ولكنه ضرب هذا وشتم هذا وأخذ حق هذا وسفك دم هذا فيؤخذ من حسناته فإذا فنيت أخذ من سيئاتهم وطرح عليه ثم طرح في النار)

هذا واعلموا عباد الله أن المؤمن لا يقنط من رحمة الله، فلا تَقْنَطْ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ أَخِي الْمُؤْمِنَ مَهْما كَثُرَتْ مَعَاصِيكَ فَقَدْ قالَ اللهُ تَبارَكَ وتَعالى ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَى أَنفُسِهِمْ لاَ تَقْنَطُواْ مِن رَّحْمَةِ اللهِ إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب) سورة الزمر.

لا تترك التوبة بذريعة الظن السيئ بربك وتدعي أنه لَنْ يَغْفِرَ لك وأنه سَيُعَذِّبُك لا مَحالَةَ لِكَثْرَةِ ذُنُوبك، فحَرامٌ عَلَيْكَ أَنْ تَظُنَّ هَذا بِاللهِ، اللهُ شَدِيدُ العِقابِ ولَكِنَّهُ أَيْضًا غَفُورٌ رَحِيم. إِيّاكَ أَنْ تَسْتَرْسِلَ في الْمَعاصِي اتِّكَالاً عَلَى رَحْمَةِ اللهِ مِنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَتَقُولَ اللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ فَلَنْ يُعَذِّبَنِي فَهَذَا حَرَامٌ لأنه تقول على على الله بلا علم.

عَلَيْكَ يا أَخِي الْمُؤْمِنَ أَنْ تَكُونَ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ تَخافُ عِقابَ اللهِ وتَرْجُو عَفْوَهُ وثَوابَهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ حالُ المؤمن، كُنْ بَيْنَ الخَوْفِ والرَّجاءِ.

والحذر الحذر من دوام المعاصي وبطئ العقوبة فعَنْ أَبِي مُوسَى رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قالَ قالَ رَسُولُ اللهِ صَلّى اللهُ عليه وسلَّم (إِنَّ اللهَ يُمْلِي لِلظّالِمِ حَتَّى إِذا أَخَذَهُ لَمْ يُفْلِتْهُ وقرأ قوله تعالى: ( وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد) فَلاَ يَغْتَرَّنَّ الواحِدُ بِمَعْصِيَتِهِ وظُلْمِهِ مَعَ تَأَخُّرِ العُقُوبَةِ عَنْهُ فَإِنَّ اللهَ إِذا عاقَبَ الظّالِمَ أهَلَكَه.

كما أن الله عظيم المغفرة والتوبة، فقد سمى نفسه الغفور الرحيم والتواب الحليم.

اللهَ اللهَ عِبادَ الله .. تُوبُوا إِلى الله .. ارْجِعُوا إِلى الله .. وفِرُّوا إِلى اللهِ.

اللهم اغفر لنا وللمسلمين والمسلمات.