السؤال: كنت قاعداً مع أناس في مجلس ونتابع الأخبار في قناة الجزيرة وأذاعوا خبر إحراق جنود أمريكيين متطرفين لنسخ من المصحف، وقلت لجليسي ألا ندعو على هؤلاء الجنود المتطرفين الذين يحرقون نسخاً من المصحف؟ فقال لي للقرآن رب يحميه، وسكت!
وسؤالي يا شيخ هل جوابه صواب؟ وبارك الله فيكم .
_____________________________
الجواب: الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده
بخصوص سؤالك أخي العزيز من المعلوم عند كل المسلمين أنه لا يحتج في مسائل الدين الإسلامي إلا بآية من القرآن وحديث ثابت سنده عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ويستأنس بأقوال الصحابة الكرام ويحتج بما أجمع عليه المسلمون.
وأما عبارة صاحبك ( للمصحف رب يحميه) هذه منتزعة من مقولة أبي طالب المشهورة حين واجه أبرهة الأشرم وطلبه استرداد إبله فقال له ألا تعظمون البيت وتأتي تسأل عن إبلك؟! فقال: (أنا رب إبلي والبيت له رب يحميه) فعلى فرض أن أبا طالب قال : والبيت له رب يحميه، فهي كلمة قالها رجل كافر حال كفره وحال عجزه عن المقاومة، ومات على الكفر، وموته على الكفر ثابت في صحيح البخاري وغيره، وكما أورده المفسرون عند تفسير قول الله عز وجل ( ما كان للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قربى من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) سورة التوبة آية 113 ، فلا توجد أي حاجة للاستدلال بتلك المقولة، في المسائل التعبدية، نعم يستدل بالعبارة في اللغة العربية كون أبي طالب كان عربياً ، فيقال مثلاً يجوز في اللغة العربية أن نقول رب بمعنى صاحب ، رب الإبل معناه صاحب الإبل ورب البيت صاحب البيت، كما يقال في حق الله تعالى الصاحب، كما ورد في صحيح مسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا ركب دابته للسفر قال: (اللهم أنت الصاحب في السفر ….) الحدث. صحيح مسلم – كتاب الحج باب ما يقول إذا ركب إلى سفر الحج وغيره – حديث:2469
ثم أيضاً أبو طالب حين قالها، قالها عن عجز وضعف عن المقاومة حين كان بين يدي أبرهة الأشرم ولا قبل له به ، فكما لا يصح الاحتجاج بكلام الكافر في نصرة الدين لا يحتج أيضاً الاحتجاج بكلام قيل حال ذل وعجز ممن قاله، فكيف إذا اجتمع الأمران.
وفيما يتعلق بالموضوع فإنه يجوز الدعاء على المتطرفين الذين أحرقوا نسخاً من المصحف الشريف، أو أساؤوا إلى الرسول صلى الله عليه وسلم، وبخصوصهم دون تعميم لكل الكافرين، احتجاجاً بدعاء النبي صلى الله عليه وسلم على ملك فارس (كسري أنوشروان)، حين بعث بكتابه مع عبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى فأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين فدفعه عظيم البحرين إلى كسرى فلما قرأه مزقه قال الراوي فحسبت أن المسيب قال فدعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يمزق ملكه كل ممزق)، وفي رواية ( اللهم مزق ملكه) وقال الشيخ الألباني في تحقيقه : حديث صحيح رواه البخاري 9/104 وأبو عبيد عن سعيد بن المسيب مرسلاً ومرفوعاً، وروي من وجوه أخر مرسلاً فليراجع لها من شاء البداية والنهاية 4/268 .
هذا في رسالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف بالقرآن وهو رسالة من الله جل في علاه، وقد تكرر هذا الاستفزاز عدة مرات، من متطرفين كفرة يستفزون المسلمين بالإساءة إلى الذات الإلهية، أو بحرق مصحف قرآن أو برسوم مسيئة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد أنكر مجمع رابطة علماء العالم الإسلامي هذه الأفعال الشنيعة، بل واستنكرها الكفرة حين بلغهم وصرحوا بإنكارهم، ونحن المسلمين نعلم جميعاً أنهم لن يضروا الله شيئاً ولن يضروا القرآن فهو محفوظ بحفظ الله له قال تعالى: (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون) سورة الحجر آية 9 ولكن لا يعني هذا عدم الفزع من المسلمين، في الدعاء والاستنكار، وتوظيف ما يملكون من أوراق لردع مثل هذه الأفعال الشنيعة.
اللهم انصر دينك وكتابك وسنة نبيك وعبادك الصالحين.