العظمة في استماع القرآن الكريم
2016/06/10 الخطب المكتوبة 221 زيارة
خطبة جمعة مكتوبة عن عظمة الاستماع للقرآن الكريم
الحمد لله
الخطبة بعنوان ( العظمة في استماع القرآن الكريم)
إن أحوج ما يحتاجه المسلمون أن يستمعوا وينصتوا حين يتلى القرآن الكريم لا سيما والأمة الإسلامية تعيش أجواء إيمانية في (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان)، وهو الشهر الذي تقام فيه صلاة التراويح جماعة، فمجتمعنا المسلم بأمس الحاجة إلى استماع القرآن، فقد تلوثت كثير من المفاهيم والعقول والأفكار بأسباب وأخرى من الشبهات يبثها أعداء الإسلام بعدة وسائل مما تسبب في صرف كثير من المسلمين عن استماع القرآن والإنصات له والتدبر لمعانيه،ولا توجد وقاية من تلك الشبهات ولا يوجد علاج لمن ابتلي بأفكار منحرفة إلا بالعودة إلى القرآن بآذان صاغية وقلوب واعية، فاستماع القرآن الكريم تزكية للنفوس وانشراح للصدور واطمئنان للقلوب وحفظ للعقول وتنقية للأفكار .
أيها المسلمون إن عظمة استماع القرآن الكريم تعرف إذا علمنا أن الله تبارك وتعالى الذي تكلم بالقرآن يحب استماعه، فقد روى الشيخان البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: ( ما أذن الله لشيء ما أذن لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن يجهر به) ومعنى أذن أي استمع، والمعنى ما استمع الله لشيء أعظم وأجل وأحب وأعلى من استماعه لنبي يقرأ القرآن يجهر به. إن تلاوة واستماع القرآن عبادة عظيمة، فهو قرآن ترتوي به قلوبُ الحائرين فتهدي، وتنتعشُ به عقولُ الصالحين فتتألَّق، وتكتحلُ به عيونُ الذاكرين فتبصر الحقَّ المبين، وتستمع إليه آذانُ المخلصين فتخشع لربِّها، وتعمل لدينها، وتستقيم أخلاقها وتصلح في أعمالها ومعاملاتها.
وقد أمر الله عباده بالانصات والاستماع لتلاوة القرآن، فقال تعالى: ( وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون) وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يستمع القرآن ويحث على استماعه، ويطلب من الصحابي أن يقرأ وهو يستمع ، كما روى البخاري ومسلم أن عبد الله بن مسعود قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ( اقرأ علي القرآن) قال أأقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: (إني أحب أن أسمعه من غيري)، فقرأ حتى بلغ قول الله تعالى: ( فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد وجئنا بك على هؤلاء شهيداً) قال فأبصرته فإذا عيناه تذرفان) أي من الخشية والبكاء، وكان صلى الله عليه وسلم يخرج من بيته ليستمع إلى القراء وهم يتلون القرآن في صلاة الليل، وقال لأبي موسى: (لو رأيتني وأنا أستمع لقرائتك القرآن البارحة لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داوود) وهكذا صحابته الكرام كان سماع القرآن من أحب الأمور إليهم ، خرج عمر بن الخطاب رضي الله عنه فاستمع لقارئ وهو يقرأ ( والطور وكتاب مسطور) ….حتى بلغ قوله تعالى ( إن عذاب ربك لواقع ما له من دافع ) فتأثر بذلك حتى عاده الناس وظنوا أنه مريض وما به من مرض سوى شدة تأثره بسماع القرآن، وجاء إليه أحد الجهلاء من المعتدين، وأساء إلى عمر إساءة كبيرة، حتى هم عمر أن ينتقم، فقال له أحد الصحابة ألم تسمع قول الله ( خذ العفو وامر بالعرف وأعرض عن الجاهلين) قالوا فوالله ما تجاوزها عمر حين سمعها وكان وقافاً عند كتاب الله تعالى، وكان جلساؤه حفاظ القرآن الكريم.
لسماعِ القرآن سلطان للقلوب، وسِحْرٌ للنفوس، وإرشادٌ للعقول، ولذَّة للأرواح، لا تُغَالب ولا تُقَاوم؛ فربما أثر على المشرك إن أصغى إليه وأنصت واستمع، قال الله تعالى: ( وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله) ، ولهذا تواصى الكفَّار بتحذير أتباعَهم من سماع القرآن؛ لِمَا يعلمون من صِدْقِه وسلطانه على العقول والقلوب؛ حيث حَكَى القرآنُ عنهم فقال: ﴿ وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآَنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾.
فما بال كثير من المسلمين لا يسمعون، وإذا سمعوا لا يتدبَّرون، وإذا تدبَّروا لا يعملون، وإذا عملوا لا يُخْلِصون – إلاَّ مَن رَحِمَ ربي وعَصَمَ – وهم أتْقَى عباده وأحْرصهم على الامْتِثال لكتابه، والعيش في رحابه، والتقرُّب إلى جنابه، فلسماع القرآن الكريم مذاقٌ لا يعرفه إلا مَن ذَاقَه؛ قال الله تعالى: ( كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلاً) ( إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجرا كبيراً)
حري بنا عباد الله في كل زمان وخاصة في شهر رمضان الكريم، أن نستمع للقرآن حتى تلين القلوب القاسية، وتنشرح الصدور التي ضاقت بهموم الدنيا، وتستقيم النفوس المتمرِّدة، وتصفوا الأذهان والعقول والأفكار وتقشعرَّ الجلودُ الجامدة؛﴿ اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ ﴾ إنها الهداية؛ ﴿ إِنَّ هَذَا الْقُرْآَنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴾
إنه الشفاء والرحمة؛ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ ﴾ ﴿ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آَمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آَذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ ﴾ ﴿ وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلاَّ خَسَارًا ﴾ ( الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجاً قيما لينذر بأسا شديدا من لدنه ويبشر المؤمنين الذين يعملون الصالحات أن لهم أجراً حسناً ما كثين فيه أبداً)
إنه البرهان والنور؛ ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا﴾.
أحد الكفار استمع إلى القرآن من النبي صلى الله عليه وسلم فرجع إلى قومه فقال: ( سمعتُ منه كلامًا ليس من كلام الجنِّ ولا من كلام الإنس، والله إن له لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإن أعلاه لمثْمِر، وإن أسفلَه لمغْدِق، وإنه يعلو ولا يُعلى عليه). نعم يا عباد الله، وإن من طبع الجن النفور من القرآن ولكنهم حين استمعوه آمنوا وأصبحوا دعاة لقومهم إلى الله قال تعالى: (وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآَنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قالوا يا قومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم يا قومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به) ( إنا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرشد فآمنا به ولن نشرك بربنا أحداً)
لقد أمر الله تعالى باستماع القرآن وبشر بأن استماعه رحمة تدرك من استمعه، قال تعالى: (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) وكلمة لعل من الله تقتضي الحقيقة. وقد سمى الله القرآن بالروح والنور والهداية، ( وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور).
أيها الناس استمعوا إلى القرآن وإن استماعه حال الصلاة الجهرية من الواجبات التي أمر بها الشرع فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما جعل الإمام ليؤتم به فإذا كبر فكبروا وإذا قرأ فأنصتوا) استماع القرآن هداية وشفاء ونور وثبات وعلم وحكمة، وهذه أمور يحتاجها المجتمع المسلم بكل فئاته ومناصبه.
اللهم اجعل القرآن ربيع قلوبنا ونور صدورنا ….
(عيسى يحيى معافا)
موقع لمن اهتدى
____________________________