( خطبة جمعة مكتوبة عن الفرحة والنية حال استقبال شهر رمضان)
الحمد لله
أيها المسلمون ونحن نستقبل شهر رمضان المبارك لا بد أن تكون القلوب مفعمة بحب الشهر الكريم والصدور منشرحة فرحاً بالأعمال الصالحة، ولا بد أن تكون النفس مطمئنة والعزيمة راشدة والمقصد يهدف إلى تحقيق أحسن وأكبر قدر من العمل الصالح في شهر رمضان ليكون ذلك زاداً لسائر الزمان.
ما هي نيتك أيها المسلم أن تكون في شهر رمضان هل نيتك للصيام وقراءة القرآن وصلاة القيام والدعاء طلباً للغفران أو النية يغشاها الكسل والملل والعكوف على اللهو وتضييع هذه الفرصة النادرة التي لا تضمن بلوغك مثلها؟!
اعلموا عباد الله أن النية الصالحة لها أهمية عظيمة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى ) متفق عليه، والمراد أن بناء العمل الصالح يقوم على أساس النية الصالحة، فالنية الصالحة أساس الفلاح وعنوان النجاح، بقدر صفائها يكون صفاء العمل، وإن ساءت النية ساء العمل واعتراه الخلل وباء بالفشل، ألا وإن حسن النية يعني حسن العمل، وذلك غاية ما يتسابق إليه المؤمنون، قال الله تعالى: ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً).
يكون العمل قليلاً فتكثره النية الصالحة الطيبة ، ويكون العمل كثيراً فتقلله النية السيئة أو تمحقه وتبطله، عياذاً بالله.
إن المؤمن ليصل بنيته الصالحة إلى مكانة عالية في الفضل والإحسان والقرب من الرحمن، كما قال الله تعالى: ( فعلم ما في قلوبهم فأنزل السكينة عليهم وأثابهم فتحاً قريباً)، فمن حسنت نيته صارت طريقه مضيئة ومطمئنة، قال تعالى: ( يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي) ومن فسد نيته صارت طريقه مظلمة وموحشة، قال الله تعالى: ( من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحوراً * ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكوراً) وقد ورد في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) وقال صلى الله عليه وسلم ( يبعث الناس على نياتهم) رواه ابن ماجة وغيره بسند صحيح.
النية رأس الفضائل وأصل المسائل، وأي عمل بلا نية صالحة فإنه كجسد بلا روح وعروق بلا دم وكشجرة بلا جذع ولا ثمرة.
ليس للإنسان إلا ما نوى، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( من غزا في سبيل الله ولم ينو إلا عقالاً فله ما نوى) أخرجه الإمام النسائي بسند صحيح.
يقول يحيى بن أبي كثير: (تعلموا النية فإنها أبلغ من العمل)، ويقول داوود الطائي: (رأيت الخير كله إنما يجمعه حسن النية) وقال عبد الله بن المبارك: ( رب عمل قليل تعظمه النية ورب عمل كثير تصغره النية)
ألا وإن من ثمرات النية الصالحة حب العمل الصالح وحب العمل الصالح من ثمرات حب المؤمن لربه، ( والذين آمنوا أشد حباً لله) وحب المؤمن لربه من مبشرات حب الله له، ( رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه).
أيها المسلمون ونحن نستقبل شهر رمضان المبارك لخوض التسابق فيه بالطاعات ابتغاء مرضات الله، فهناك نية لدى المسلم، تجاه شهر رمضان المبارك، وهي ثلاثة أنواع:
الأولى: نية عامة وهي الملتصقة بإيمان المؤمن وعقيدته في كل زمانه فكلما تذكر رمضان علم أن صيامه أحد أركان الإسلام.
الثانية: نية خاصة وهي التي يستحضرها في بداية شهر رمضان ويعزم على صيامه كاملا وإذا طرأ عليه سفر أو مرض عزم على القضاء لما فاته.
الثالثة: نية أخص وهي تبييت الصيام كل ليلة لكل يوم من أيام الصيام.
كما أن هناك فرحة شرعية في النفس المؤمنة الطيبة المطمئنة، تفرزها النية الصالحة، وإن فرحة المؤمن بقدوم شهر رمضان هي فرحة شرعية، لأنها تدخل ضمن الفرح بفضل الله ورحمته، قال الله تعالى: ( قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) والمراد بالفرح بشهر رمضان إنما يكون لأجل مجاهدة النفس في طاعة الرحمن في الصلاة والصيام وقراءة القرآن، والصبر ضياء والصدقة برهان، قال تعالى: ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين).
فاجتهدوا عباد الله في حسن النية وصحة الإخلاص وصواب وصالح العمل، فالله يقول: ( هو الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) وحسن العمل هو أخلصه وأصدقه وأصوبه، وصدقه بالإخلاص لله وصوابه بموافقته لشرع الله، ( فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل علاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً).
إنها النية الصالحة يا عباد الله، وقد أخبر الله جل وعلا أن وجهات العباد تختلف من وجهة إلى أخرى ودعا عباده إلى وجهة استباق الخيرات، وأخبرهم أن مردهم جميعاً إليه مهما تباعد بهم الزمان والمكان، فقال تعالى: ( ولكل وجهة هو موليها فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير).
أمة الإسلام، علينا أن نتأمل ما ذا يريد الله منا وما ذا يريد الأعداء منا، لقد ورد في القرآن الكريم آية تجيب عن هذا التساؤل، قال تعالى: ( والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلاً عظيماً).