يا شيخنا الحبيب وفقك الله. أفدنا حول كروية الأرض ومن قال بذلك؟ ومن أنكر كرويتها بقوله (دحاها)؟ يعني مسطحة لا كروية.
الجواب
الأرض وما فيها هي من آيات الله العظمى قال تعالى: ( وفِي الأرض آيات للموقنين ) وكثير من الآيات القرآنية التي تدعو الناس للتفكر في آيات الله يكون فيها ذكر السموات والأرض كما لا يخفى ذلك على من يقرأ في كتاب الله تبارك وتعالى وجاءت تلك الآيات تدعو للإيمان بعظمة خالق الأرض دون الاهتمام بالشكل البيضاوي أو الكروي
قضية هل الأرض كروية أو مسطحة ؟ أكثر العلماء يقولون بأن الأرض كروية ولكن لقد دخل في هذه المسألة جوانب متعددة من النظريات التي أثيرت لتشغل الناس وتلهيهم عن حقيقة العمل لدينهم الإسلامي ولتغفلهم عن الأسس والثوابت الإيمانية الواضحة في القرآن والسنة النبوية الدالة على أركان الإسلام والإيمان والإحسان
ما يثار حول كروية الأرض من النظريات والنزاع في ذلك وحصول الخصومات وشغل المجالس بالنزاعات والتي قد تصل إلى التهاجر والتقاطع واكتساب الغيض في النفوس هو بمثابة ما يسمى باللهاية التي تضيع فيها الأوقات، ومثل ذلك إثارة هل القمر أكبر حجماً أو الزهرة؟ وهل الضوء الذي في القمر هو ضوء ذاتي مخلوق فيه أو هو مكتسب من ضوء الشمس ؟ وكم العمر الافتراضي لكوكب الزهرة؟ وهل هو أكبر حجماً أم القمر؟ وما شابه هذه النظريات كلها تدخل ضمن اللهايات وتدخل أيضاً ضمن الحرب الباردة والحرب النفسية والإيحاء بعلو ورفعة علوم المخترعين وترويج زعم سمو ثقافة أصحاب النظريات الغربيين والشرقيين ومحاولة زرع هيبة جانب من أحاط بعلوم ذلك ممن يصفون أنفسهم برواد الفضاء وكلها غالباً تستعمل في سياسة الأعداء لتلعب دوراً في الإلهاء ويريد بذلك الأعداء شغل الأوقات لدى الأمة الإسلامية بما لا يفيد ولا ينفع في الواقع الملموس
إن المؤمنين يعظمون الله تبارك وتعالى بالتفكر في آياته حسب ما أوردها القرآن الكريم الذي وصفه الله بقوله: (ولقَدۡ ضَرَبۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ * قرءانًا عَرَبِيًّا غَيۡرَ ذِي عِوَجٖ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ) ، فيؤمنون بعظمة الله من خلال التفكر في خلقه للسموات والأرض والجبال والبحار والريح والشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب وكل مخلوقات الله ويشكرون الله الذي قال : ( والأرض وضعها للأنام ) وذكرهم بنعمه العظيمة في الكون فيذكرونه تبارك وتعالى ويشكرونه دون تضييع البحث عن إجابة على افتراض أسئلة أكثرها لم يجب شرعاً تكليف الناس بها مثل هل الأرض كروية أو مسطحة وكم مساحتها بالمتر ؟ وهل الإضاءة في القمر ذاتية أو مكتسبة من الشمس أو من كوكب آخر أو نجم آخر؟ وهل كوكب الزهرة مخلوق قبل المريخ أو بعده ؟ وأي الكواكب أكبر حجمًا من الآخر ؟! وهل كوكب المريخ يصلح لانتقال الناس للسكن عليه وترك الأرض ؟! وهل يوجد ماء في كوكب المشتري ؟ وهل نقول للقمر وغيره نجم أو كوكب ؟ هذه كلها لهايات وأسئلة صنعت لتصد عن العلوم النافعة وتصد عن ذكر الله وعن الصلاة
إن هذه النظريات والغزو الفكري أمر أخر تقدم أمة الإسلام بسبب أن كثيراً من مجالس المسلمين تضيع في النقاش حول قضايا كثيرة يعتبر العلم بها لا ينفع والجهل بها لا يضر فتضيع الأوقات في الخوض فيها وربما يحدث النزاع فيها ويؤدي إلى أحقاد وخصومات وبذل أوقات في كتابات وردود وحوارات كلها عقيمة عن أي إثمار نافع أو إنتاج مفيد
لقد دأب أعداء الإسلام على افتعال نظريات وتهويل حتى ظنت بعض العقليات الساذجة أن العلم بها يساوي العلم بأركان الإسلام وربما تجد أناساً ممن يدعي علمها من المسلمين هو من أسوأ المتخاذلين عن الصلاة والصيام بل ربما تجده لا يحسن قراءة سورة الفاتحة وربما لا يحسن قراءة آية واحدة من كتاب الله!
لنا أن نتساءل هل هذه النظريات التي تعطى هالة من الإعلام ويلزم بتدريسها في مختلف مراحل الدراسة مقابل التقليص والتضييق من دراسة منهج القرآن الكريم ويحصل الاهتمام بالنظريات مقابل الدفن للسيرة النبوية وإغلاق معرفة سير الصحابة الكرام رضي الله عنهم وتابعيهم بإحسان ونسيان أخبار العظماء من المسلمين والفقهاء المتقين ومقابل التغفيل للناس بأن الله هو الحق وأن النبيين والرسل عليهم الصلاة والسلام حق وأن الساعة حق وأن الجنة حق وأن النار حق؟!
لنا أن نتساءل ماذا أحدثت هذه النظريات في جانب زيادة الإيمان لدى المسلمين وجانب حب الإسلام عند الكافرين؟!
لقد قرأنا في سورة فصلت قول الله: (قُلۡ أَئِنَّكُمۡ لَتَكۡفُرُونَ بِٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَرۡضَ فِي يَوۡمَيۡنِ وَتَجۡعَلُونَ لَهُۥٓ أَندَادٗاۚ ذَٰلِكَ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ * وجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ مِن فَوۡقِهَا وَبَٰرَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقۡوَٰتَهَا فِيٓ أَرۡبَعَةِ أَيَّامٖ سَوَآءٗ لِّلسَّآئِلِينَ* ثمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٞ فَقَالَ لَهَا وَلِلۡأَرۡضِ ٱئۡتِيَا طَوۡعًا أَوۡ كَرۡهٗا قَالَتَآ أَتَيۡنَا طَآئِعِينَ ) إننا ندعو أنفسنا وندعو الجميع لقراءة نصوص الوحي وفهمها والإيمان بها دون تكلف ودون تعقيد فإن التكلف والتعقيد يذهب معهما التدبر الصحيح الصريح والمراد، ولقد أحسن من قال :
يحللون بزعم منهم عقداً
وباللذي وضعوه قد زادت العقد
حسبنا أن نتعلم العلم النافع اعتقاداً وقولاً وفعلاً وأخلاقاً وسلوكاً واستفادة تثمر العزة للأمة الإسلامية ونؤمن بما آمن به الأنبياء والمرسلون وتابعوهم بإحسان إلى يوم الدين.