أنواع الاختلاف في الفقه وأهمية خطاب الناس على قدر عقولهم

السؤال: ما هي أنواع الاختلاف في الفقه والمسائل العلمية الشرعية، وكيف لنا أن نستوعب من يكثر الجدال ؟

الجواب

 الاختلاف والجدال والحوار يأتي في هذا السياق على نوعين، وهما:

اختلاف محظور.

اختلاف حاضر.

الأول الذي هو المحظور أي الممنوع هو الجدال في الأمور الثابتة والضرورات المعلومة التي لا تقبل الجدل، وقد ورد في الحديث عن جُنْدَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (اقْرَءُوا القُرْآنَ مَا ائْتَلَفَتْ قُلُوبُكُمْ، فَإِذَا اخْتَلَفْتُمْ فَقُومُوا عَنْهُ ) رواه البخاري ومسلم، ففي هذا الحديث النبوي أنه لا يجوز إعطاء فرصة للخلاف فيما لا خلاف فيه، وهذا النوعت هو الذي يؤدي إلى اختلاف التضاد والمشاققة لشرع الله وهو اختلاف محرم، لأنه يؤدي في كثير من حالاته إلى مقاصد فيها رفض شرع الله عياذاً بالله، وفي الحديث عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : تلا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب قالت : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم) روىه مسلم.

أما الاختلاف الحاضر، أي أنه اختلاف قائم في مسائل العلم والفقه فهو قسمان وهما:

اختلاف التنوع.

اختلاف الأفهام.

اختلاف التنوع هو عبادة شرعية يؤجر المسلمون في أدائهم المتنوع للعبادات التي شرع فيها التنوع، كما هو الحال في تنوع أدعية الاستفتاح في الصلاة واختلاف تنوع الصلاة والسلام على خير الأنام صلى الله عليه وسلم. وتنوع صلاة الليل من حيث عدد الركعات وتنوع صلاة الضحى كذلك، وتنوع القراءات وتوع الأداء للخطاب الشرعي وتنوع الأساليب الشرعية في الدعوة إلى الله تعالى.

أما اختلاف الأفهام فهو سائع في الفهم والإدراك، وقد يحصل هذا النوع من الاختلاف في أوساط العلماء وطلاب العلم ويكثر نقاشهم وحوارهم في المسائل العلمية والفيه والاستنباط، ولا يكون إلا لذوي الأهلية في الاجتهاد وأدلته كثيرة ومنها:

عن ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَأَدْرَكَ بَعْضُهُمْ الْعَصْرَ فِي الطَّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلِّي حَتَّى نَأْتِيَهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بَلْ نُصَلِّي لَمْ يُرِدْ مِنَّا ذَلِكَ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُعَنِّفْ وَاحِدًا مِنْهُمْ) رواه البخاري وغيره.

بالنسبة للطرح العلمي ينبغي أن يكون بحسب المخاطب فيعطى من الكلام بالمقدار الذي يستوعبه ويفهمه ويعطى الشخص الأكثر فهماً أيضاً بحسب مستواه وقد سار على هذا السلف الصالح رضوان الله عليهم من الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان رضوان الله عليهم وإليك نقل بعض أقوالهم في هذا.

ورد في صحيح البخاري عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال: ( حدثوا الناس بما يعرفون، أتحبون أن يكذّب الله ورسوله)، وجاء في مقدمة صحيح مسلم عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: (ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)، فمثل هذه المقامات التوجيهية عند الصحابة الكرام والعلماء الراسخين والفقهاء العارفين تعطينا ميزاناً في طرح الكلام حسب فهم المخاطب.

قال الغزالي في إحيائه: ” أن يقتصر بالمتعلم على قدر فهمه فلا يلقى إليه مالا يبلغه عقله فينفر أو يخبط عليه عقله, ولذلك قيل: كل – بكسر الكاف – لكل عبد بمعيار عقله وزن له بميزان فهمه حتى تسلم منه وينتفع بك وإلا وقع الإنكار لتفاوت المعيار ” (إحياء1\57). انتهى.

 علمًا أنه إذا كان المجلس يوجد فيه عدد من الناس تختلف مداركهم ويتباين فهمهم فكذلك يكون الكلام حسب المفهوم والاستيضاح مهم والتبيين لا بد منه وغالباً المتكلم ينظر في إلقائه القول إلى أعظم المستمعين رشداً وأحسنهم فهماً، وإن تساوى حال المتكلم وحال المستمعين واختلفوا فعليهم حتى لا يستمر بهم الحال في النزاع أن يعودوا إلى عالم يرضونه جميعاً وهو عندهم لمكانة علمه محل رضاهم جميعاً كما كان الصحابة والسلف الصالح وعليه تابعوهم بإحسان على مر العصور وكر الدهور يعودون إلى أعلمهم وأفقههم قطعاً للخلاف، ولا يخلوا من أن يقنعهم بدلالات علمية واستنباطات حكيمة.

( عيسى يحيى معافا)
موقع لمن اهتدى