الشكر ومكانته في العبادة

الحمد لله…

أيها المسلمون: لقد جبل الإنسان على حب دوام النعمة واستمرار السعادة، وإن من أعظم أسباب بقاء النعم ودوام السعادة والأمن والاطمئنان في المجتمع المسلم التمسك بشكر الله تبارك وتعالى: والشكر بالقلب واللسان وسائر الجوارح، قال تعالى: ﴿ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ ﴾ (فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) فلا يعبُده حقَّ عبادته إلا الشاكرون. ويقول تعالى ﴿ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ ﴾ ويقول – جل وعلا: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ﴾ إيمانك بالله شكر، صلاتك شكر، وزكاتك شكر، صومك وحجك لله شكر، شعورك الدائم بفضائل الله عليك شكر، حمدك لله شكر، تحدثك بنعم الله عليك في غير مواطن ريبة شكر ” وأما بنعمة ربك فحدث ” واقتصادك شكر، وحذرك من التبذير والإسراف شكر، وصدقتك على المحتاج شكر، وحفاظك على حسن ما تقول شكر.

يقول تعالى: ( ألم تروا ان الله سخر لكم ما في السموات وما في الأرض وأسبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة) ويقال: ( وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ * وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلَا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ ﴾

الشكرُ أمرٌ مستقرٌّ في سُلوك المُتعبِّدين، ونهجٌ راسِخٌ في نفوس الصالحين، تمتلِئُ به قلوبُهم، وتلهَجُ به ألسِنتُهم، ويظهرُ على جوارِحهم.

إن الله سمى نفسه الشاكر والشكور، ووصف أنبياءه بالشكر، فنوحٌ – عليه السلام -، وصفَه ربُّه بقوله: ﴿ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا ﴾ والخليلُ إبراهيم عليه السلام قال فيه ربُّه: ﴿ شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ﴾ ويقول سليمان – عليه السلام – وهو ينظرُ فيما خصَّه به ربُّه من نعمه وسخَّر له من مخلوقاتِه: ﴿ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ ﴾ ويقول: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾

ولقد حرِصَ أنبياءُ الله – عليهم السلام – على تذكير أقوامِهم بهذا المقام العظيم من مقامات العبودية؛ فها هو هودٌ – عليه السلام – يقول لقومه: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ ﴾

ويقول صالحٌ – عليه السلام – وهو يُعدِّدُ على قومِه ما منحَه ربُّهم من مظاهر النِّعَم والقوة: ﴿ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴾

أما نبيُّنا محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – وهو الذي قد غفرَ الله له ما تقدَّم من ذنبِه وما تأخَّر، فيقومُ لربِّه من الليل حتى تتفطَّر قدماه، ويقول: (أفلا أكونُ عبدًا شكورًا؟) ليبن لنا أن الشكر لله يكون بالأعمال الصالحة.

الشكرُ اعترافٌ من العبد بمنَّة الله عليه، وإقرارٌ بنعمِه عليه من خيرَي الدنيا والآخرة في النفس، وفي الأهل والمال والأعمال، وفي شأن العبد كلِّه.

الشكرُ دليلٌ على أن العبدَ راضٍ عن ربِّه؛ فالشكرُ حياةُ القلب وحيَّويَّتُه، والشكرُ قيدُ النعم الموجودة، وصيدُ النعم المفقودة.

الشكرُ دليلٌ على صفاء النفس، وطهارة القلب، وسلامة الصدر، وكمال العقل؛ بل إن الله – جل وعلا – خلقَ الناسَ من أجل أن يشكُروه، يقول – جل وعلا -: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

والشكرُ أولُ وصيَّةٍ وصَّى بها الإنسان: ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾، وأخبرَ – عزَّ شأنه – أن رضاه في شُكره، فقال: ﴿ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ ﴾.

كما جعلَه سببًا من أسباب الأمن من عذاب الله، يقول تبارك وتعالى: ﴿ مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا ﴾

بل لقد خصَّ الله الشاكرين بمنَّته عليهم من بين سائر عباده، فقال – جل وعلا -: ﴿ وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ ﴾.

إن للشكرِ أركاناً ثلاثة: الاعترافُ بالنعم باطنًا مع محبَّة الله وأن كل النعم من عند الله قال تعالى: ( وما بكم من نعمة فمن الله ).

والتحدُّثُ بها ظاهرًا مع الحمد والثناء على الله.

وصرفُها في طاعة الله ومرضاته واجتناب معاصِيه.

اللهم اغفر لنا…

الخطبة الثانية

ألا وإن أعظم النعمة نعمة الإسلام التي لا تتمُّ نعمةٌ على الحقيقة إلا بها، ونعمةُ العافية التي لا تستقيمُ الحياةُ إلا بها، ونعمةُ الرِّضا التي لا يَطيبُ العيشُ إلا بها.

وإن شكرُ الله واجبٌ في جميع الأحوال: في الصحة والسَّقَم، والشباب والهرَم، والفقر والغِنى، والفراغ والشَّغل، والسرَّاء والضرَّاء، واليقَظَة والمنام، والسفَر والإقامة، وفي الخَلوة والاختلاط، قيامًا وقعودًا وعلى جنوبكم.

وإن النعمة ليست منحصرة في مطعم الانسان ومشربِه لأن نعم الله دائمة، وآلاءَه مُتتابِعة، قال تعالى: ﴿وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ وقال – عزَّ شأنه -: ﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾

اشكُروا ربَّكم على ما أظهرَ من جميل، وعلى ما ستَرَ من قبيح، والشكرُ يكون بالصلاة؛ فإن النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – يُصلِّي من الليل حتى تتفطَّر قدماه، ويقول: (أفلا أكون عبدًا شكورًا؟).

ويكونُ بالصيام؛ فالله حين ذكر صيام رمضان قال (ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون) وقد صامَ مُوسَى – عليه السلام – يوم عاشوراء شُكرًا لله؛ إذ نجَّاه وقومَه من فرعون وقومِه، ثم صامَه نبيُّنا محمدٌ – صلى الله عليه وآله وسلم – وحث على صيامِه.

كما يكونُ الشكرُ بسَجدة شكرٍ يسجُدها المؤمن إذا جاءَه خيرٌ من ربِّه، أو حدثَت له نعمةٌ من مولاه، وقد سجدَ نبيُّكم محمدٌ – صلى الله عليه وسلم – حين أخبرَه جبريل – عليه السلام – أن الله يقول: (من صلَّى عليك صلاةً واحدةً صلَّى الله عليه بها عشرًا).

وسجدَ أبو بكر – رضي الله عنه – لما بلغَه مقتلُ مُسيلِمة الكذَّاب. وسجدَ عليٌّ – رضي الله عنه – لما بلغَه مقتلُ الخارجيِّ ابن الثديَّة. وسجدَ كعبُ بن مالك لما تابَ الله عليه.

وتَعدادُ النِّعم من الشكر، والتحدُّث بالنِّعم من الشكر، ومن أثنَى فقد شكَر، والقناعةُ شكرٌ؛ فكن قانِعًا تكُن أشكرَ الناس، والمعروفُ رِقٌّ، والمُكافأةُ عِتقٌ. ومن قصُرت يدُه عن المُكافأة فليُكثِر من الشكر والثناء، ومن لا يشكُر القليل لا يشكُر الكثير.

ومن الشكرِ: ألا يزالَ لسانُك رطبًا من ذكر الله، ومن قال إذا أصبحَ وإذا أمسَى: «اللهم ما أصبحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِك فمنك وحدك لا شريك لك، فلك الحمدُ ولك الشكرُ. فقد أدَّى شكرَ يومِه».

فإن من فضل الله ورحمته ولُطفه: أنه – جلَّ في عُلاه – يشكرُ لعباده، فهو الغفورُ الشكور؛ فالذي سقَى الكلبَ شكرَ الله له فغفَرَ له؛ فكيف بمن يُحسِنُ للمسلمين، ويتفقَّدُ المُحتاجين، ويتصدَّقُ على المُعوِزين، ويرحَمُ المُستضعَفين.

والذي أخَّر غُصن الشوك عن الطريق شكَر الله له فغفَرَ له؛ فكيف بمن يسعى في تيسير أمور الناس وتفريج همومهم وتنفيس كروبهم؟!

ومن لُطفه – عزَّ شأنه – أن جعلَ شُكرَ الناس من شُكر الله: (لا يشكرُ الله من لا يشكُر الناس).

ومن لُطفه كذلك: أن جعلَ من شكرَ فإنما يشكرُ لنفسه.

أحسِنوا جوارَ نعم الله؛ فإنها قلَّ ما نفَرَت عن أهل بيتٍ فكادَت أن ترجِع إليهم، وإن من شُكر الله – عز وجل – والاعتراف بفضلِه ونعمته:

قابِلوا إحسانَ ربِّكم بالإحسان، واحفَظوا النِّعَم بالطاعة والعِرفان؛ ففضلُ الله عظيم، وإنعامُه جسيم، وخيرُه عميم، وكل شكرٍ وإن قلَّ ثمنٌ لكل نوالٍ وإن جلَّ. ومن لم يكن لقليل المعروف عنده وقعٌ أوشكَ ألا يشكُر الكثير.

اللهم اجعلنا من الشاكرين لنعمك .