السؤال هو : يوجد من بعض الشباب انتقاد لأداء بعض الخطباء على منابر خطبة الجمعة، فما تعليقكم على بعض الخطب والخطباء؟
الجواب
من المعلوم قطعاً أن خطبة الجمعة لها أركانها المعتبرة شرعاً، ولها مكانة مقدسة، ومنبر خطبة الجمعة منبر له قدره الشرعي، وله مكانته الرفيعة، فمن علم من نفسه أنه ليس أهلاً لاعتلاء منبر خطبة الجمعة فعليه أن يعتذر حتى يجد الأهلية لذلك في العلم والأخلاق، وفقه الواقع وفقه التوقع.
إن خطبة الجمعة كان يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم، والله تبارك وتعالى ينزل عليه الوحي وهو يبينه للأمة.
لما مات صلى الله عليه وسلم قام بخطبة الجمعة الخلفاء الراشدون، وهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، وهم مبشرون بالجنة رضي الله عنهم، كما خطب الجمعة بعض الوجهاء من الصحابة رضي الله عنهم، وعن سائر الصحابة الكرام.
بعد موت الصحابة واستمرار الخلافة الراشدة كان يخطب الجمعة بعض وجهاء التابعين بإحسان، ومنهم الخليفة الراشد أيضاً وهو عمر بن عبد العزيز الأموي رحمه الله رحمة واسعة.
أولئك الخلفاء الراشدون كانوا يعتلون منبر خطبة الجمعة وكذا خطب العيدين والاستسقاء والكسوف والخسوف وغير ذلك من المناسبات التي تستدعي اجتماعهم، وكانوا يملكون القرارات، ومعهم قوة الحق، وحق القوة، ولا يوجد لأعدائهم أي تسلط عليهم.
أقول: إن ذلك العصر الذي عاش فيه الصحابة الكرام وهم القرن الأول والتابعون له بإحسان وهم القرن الثاني وتابعو التابعين لهم بإحسان وهم القرن الثالث، عاشت فيه خطبة الجمعة بين الخلفاء الراشدين هو العصر الذي كان يملك فيه الخطباء سلطة التشريع وسلطة التنفيذ.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: ( خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ يَجِيءُ أَقْوَامٌ تَسْبِقُ شَهَادَةُ أَحَدِهِمْ يَمِينَهُ، وَيَمِينُهُ شَهَادَتَهُ ) رواه البخاري ومسلم. وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقال هل فيكم من صاحب من صاحب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ) رواه البخاري ومسلم.
بعد ذلك أخذ راية خطبة الجمعة وما في معناها القضاة من الفقهاء بأمر من الولاة، وكان القضاة الفقهاء لديهم صلاحية طرح القرارات، بما أستطيع أن أقول إنهم كانوا يملكون سلطة التشريع من خلال فقههم، ولكنهم لا يملكون سلطة التنفيذ إلا بالقدر الذي يسمح به الولاة.
بعد ذلك انتقلت خطبة الجمعة إلى من هم دون ذلك، فتوزعت في علماء وفقهاء وطلاب علم، بل وبعض من العامة الذين يحلو لهم أن يجدوا من يستمع لهم، ويروق لهم أن يخاطبوا الناس والناس يشاهدونهم، فصارت بذلك خطبة الجمعة أقل هيبة منها حين كان يقوم بها الخلفاء والولاة الصالحون الحريصون على إصلاح المجتمع.
كما أنه كلما ازداد أعداء الإسلام تسلطاً على المسلمين من خلال من تولوا الأمر أو غيرهم فإن ذلك التسلط يسهم في ضعف الخطاب الديني، ويلعب ذلك التسلط دوراً محورياً بل واستراتيجياً في تضييق الخناق على الطرح الخطابي، ويشارك في منع الارتقاء في الإلقاء لدى الخطباء.
كما أنه وللأسف يوجد خطباء طغى عليهم التوجيه لهم من الأعداء فانصاعوا لذلك بسبب وآخر فأصبحت خطبهم تصب في إطار توسيع الانبطاح، والانحطاط من حيث يشعرون أو لا يشعرون، وأضحت خطبهم للتفريق والتمزيق لا للتوفيق، وأمست وأصبحت للاختلاف بين المسلمين وإرساء العداوة والبغضاء بدل النصح والإخاء.
يذكرنا حال بعض من ليس أهلاً للخطبة أحد الشعراء يزدري أحد الخطباء ممن يراه أنه من أسرى المعدة:
إذا ما لم تكن للقول أهلًا ** فمالك في المواقف والكلام
خطبت فكنت خطبًا لا خطيبًا ** أضيف إلى مصائبنا العظام
لهجت الاحتلال وما أتاه ** وجرحك منه لو أحسست دامي
…إلى آخر أبياته.
إن خطبة الجمعة ومستواها المعروف في هذا العصر لا تزال تتوالى عليها الضغوطات لما لها من أهمية عظيمة في منهج الإسلام، ولما لها من دور كبير في إصلاح المجتمع، ومساهمة عظيمة في محاربة الفساد.
مهما يكن من شيء فإن مما لا شك فيه أنه يجب على كل خطيب جمعة أتيح له اعتلاء منبر الخطبة أن يتقي الله عز وجل، وأن يخاطب الناس بين يديه بكل علم وفقه واستيعاب لجلالة النصح، والوعظ والخطاب المقدس، وأن يضخ بصالح القول وسديده، وحسن الكلام ورشيده، وأن يعالج ما استطاع من قضايا المسلمين الخاصة والعامة في عباداتهم ومعاملاتهم بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن يحرص في خطابه لأمة الإسلام على توحيد الكلمة، كما يحرص على كلمة التوحيد، والله الهادي الى سواء السبيل.