يا شيخ /عيسى بعد التحية أود أن ألخص لك السؤال من غير ضرب أمثال:(هل الشر مخلوق)؟
الجواب
الشر في المعنى المعروف هو غياب الخير وبالتالي فهذا السؤال وهو: (هل الشر مخلوق) سؤال خطأ من أساسه ويسمى من الأسئلة البدعية لأنه يقود لسؤال هل الله خلق العدم؟! وهذه تساؤلات الملحدين والمبتدعين الذين ينشرون الشبهات ويشككون في قيم وثوابت الإسلام ويقصدون من وراء ذلك ادعاء التناقضات في شرع الله، تعالى الله عما يصفون.
من أمثلة إلحادهم في هذه الأسئلة أن يقول قائلهم ما دام أنكم تقولون: إن الله على كل شيء قدير فلماذا لم يخلق لنفسه ولداً ؟ وقد هدم الله شبهتهم هذه بقوله : ( لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَىٰ مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ۚ سُبْحَانَهُ ۖ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ )
كذلك من شبهاتهم أنهم يقولون: لو كان الله يأبى الكفر فلماذا رضي كفر الكفار؟ وقد هدم الله شبهتهم هذه فقال : (إن تَكۡفُرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَنِيٌّ عَنكُمۡۖ وَلَا يَرۡضَىٰ لِعِبَادِهِ ٱلۡكُفۡرَۖ وَإِن تَشۡكُرُواْ يَرۡضَهُ لَكُمۡۗ وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٞ وِزۡرَ أُخۡرَىٰۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّكُم مَّرۡجِعُكُمۡ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَۚ إِنَّهُۥ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ) فنسب الكفر إلى الكفار ونفى رضاه بالكفر تبارك وتعالى، ويبقى خلقه للكفار فيه أسرار وحكم عظيمة منها معرفة أن سبيل الحق في مخالفة منهج أصحاب الجحيم.
وقال تعالى: ( هوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ فَمِنكُمۡ كَافِرٞ وَمِنكُم مُّؤۡمِنٞۚ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٌ
[التغابن) قال فمنكم، ولم يقل ورضي كفركم.
كذلك من شبهات الملحدين أنهم يقولون : ما دام أن الله خالق كل شيء والشر شيء والشيطان شر والله خلق الشيطان إذن الله يحب الشيطان ويأمر بالفحشاء ! وقد هدم الله شبهتهم فقال تبارك وتعالى: ( وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا ۗ قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ۖ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ )
كذلك نرد ونهدم شبهاتهم بأن الله خالق كل شيء وابتلى عباده بالخير والشر فتنة ليختبرهم فقال سبحانه: ( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ) وأمرنا عز وجل أن نستعيذ من شر ما خلق فقال تعالى : ( قل أعوذ برب الفلق من شر ما خلق ) وقوله (من شر ما خلق) أسلوب قرآني فريد يختلف عن عبارة (من شره فيما خلق) ذلك لأن الشر لا ينسب إلى الله تبارك وتعالى ولا إلى أفعاله وإن كان قدر وقوعه بغياب الخير لأسباب تتجلى في حكمة البالغة.
إن الله تبارك وتعالى لم يخلق شراً محضاً، بمعنى أنه لم يخلق شراً خالصاً في الشر وإنما خلق الخلق وأذن أن يوجد غياب الخير في بعض المخلوقات ليعرف العقلاء وأولو الألباب من خلال ذلك مكانة ومقدار الخير فحين تغيب الطاعة وتحل محلها المعصية تعرف حينئذ قيمة أصحاب الصلاح كما أنه حين تغيب الصحة ويحل المرض تعرف قيمة الصحة وهكذا بحصول الخوف يعرف المجتمع قيمة الأمن والأمان وبخطر الجوع يعرف المجتمع قيمة النعمة لله عز وجل في طعامهم وشرابهم ..الخ.
لذلك أقول: خلق الله الشيطان ليس حباً منه للشيطان وإنما حباً منه للحكمة التي خلق من أجلها الشيطان، وذلك أن مخالفة المؤمنين للشيطان طاعة لله تعالى فصار وجود الشيطان سبباً لنجاة من خالفه وعصاه واستعاذ منه بربه ومولاه فتجلت بذلك الحكمة من الله وهي حكمة من سمى نفسه الحكيم والحكم ووصف نفسه عز وجل بأنه الحاكم، وإذا كانت معصية المؤمنين للشيطان سبيل إلى جنات النعيم وطاعة الكفار للشيطان سبيل إلى النار والجحيم والعذاب الأليم فإننا ندرك جانباً عظيماً من الحكمة الإلهية في خلق الجنة والنار.
بناءً على ما سبق علينا أن نحذر من أي أسئلة غير معروفة في الشرع ونحذر من شبهات الملحدين وعلينا أن نتمسك بأخلاق الصالحين المصلحين ونكتفي بالأسئلة الصحيحة التي هي نهج المؤمنين ودأب السلف الصالح وتابعيهم بإحسان إلى يوم الدين.