أيها الناس، إن الأعمال الصالحة علم شريف، تنافس في طلبه ذوو الهمم العالية؛ حين أدركوا أنه سبيل الفوز، والفلاح، والباعث إلى السعادة في الدنيا والآخرة، وصلاة الجماعة من العبادات التي أولاها الشرع رعاية وثناءً وتعظيماً، وأغدق بالثناء والبشائر على من حافظ عليها، من وقت القصد والنية والسعي إليها إلى الرجوع بعد أدائها، فأجر النية محسوب وأجر الطهارة لها محسوب وأجر السعي إليها محسوب، حسنات تكتب، وسيئات تمحى، ودرجات في الجنة ترفع، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ( صَلاَةُ الرَّجُلِ فِي الجَمَاعَةِ تُزيد عَلَى صَلاَتِهِ فِي بَيْتِهِ، وَفِي سُوقِهِ، سبعاً وَعِشْرِينَ ضِعْفًا، وَذَلِكَ أَنَّهُ: إِذَا تَوَضَّأَ، فَأَحْسَنَ الوُضُوءَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَى المَسْجِدِ، لاَ يُخْرِجُهُ إِلَّا الصَّلاَةُ، لَمْ يَخْطُ خَطْوَةً، إِلَّا رُفِعَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَة )” رواه البخاري وغيره.
ذلك ما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يحث بني سلمة على الإبقاء في مكانهم وعدم التحول عن منازلهم النائية عن المسجد لما لمشيهم وخطاهم إلى الصلاة من الأجر والحسنات، فقال: (يا بني سلمة، ديارَكم تكتب آثارُكم، ديارَكم تكتب آثارُكم) رواه مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
إن كتابة حسنات تلك الخطى تشمل الذهاب والإياب، قال أبي بن كعب – رضي الله عنه -: كان رجل لا أعلم رجلا أبعد من المسجد منه، وكان لا تخطئه صلاة الجماعة، وقال: إني أريد أن يكتب لي ممشاي إلى المسجد، ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد جمع الله لك ذلك كله) رواه مسلم.
وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم، (من غدا إلى المسجد، أو راح، أعد الله له في الجنة نزلاً، كلما غدا، أو راح) رواه مسلم. ويفرح الله بالقادم إلى الصلاة في المسجد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتوضأ أحدكم فيحسن وضوءه ويسبغه، ثم يأتي المسجد لا يريد إلا الصلاة فيه، إلا تبشبش الله إليه كما يتبشبش أهل الغائب بطلعته) رواه أحمد وصححه ابن خزيمة. والقادم إلى المسجد للصلاة قد ضمن الله له ىإحدى غنيمتين، قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ( ثلاثة كلهم ضامن على الله عز وجل “، وذكر منهم: “رجل راح إلى المسجد، فهو ضامن على الله حتى يتوفاه فيدخله الجنة، أو يرده بما نال من أجر وغنيمة) رواه أبو داود وصححه الألباني. وعن أبي هرية رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( ألا أنبئكم بما يمحو الله به الخطايا ويرفع به الدرجات قالوا بلى يا رسول الله ، قال: إسباغ الوضوء على المكاره وكثرة الخطى إلى المساجد وانتظار الصلاة بعد الصلاة فذلكم الرباط فذلكم الرباط) رواه مسلم.
المشي إلى صلاة الجماعة من أسباب هناء العيش وحسن الخاتمة، قال النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( أتاني ربى عز وجل الليلة في أحسن صورة – يعني في النوم -… فقال: يا محمد! هل تدري فيم يختصم الملأ الأعلى؟ قلت: نعم، يختصمون في الكفارات والدرجات، قال: وما الكفارات والدرجات؟ قال: المكث في المساجد، والمشي على الأقدام إلى الجمعات، وإبلاغ الوضوء في المكاره، ومن فعل ذلك عاش بخير، ومات بخير، وكان من خطيئته كيوم ولدته أمه ) رواه أحمد وصححه الألباني. وصلاة الجماعة الواجبة فاقت صلاة المنفرد بسبع وعشرين ضعفاً كما صح ذلك عن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-. والصلاة في جماعة نجاة من كيد الشيطان قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: (ما من ثلاثة في قرية ولا بدو لا تقام فيهم الصلاة إلا قد استحوذ عليهم الشيطان؛ فعليك بالجماعة؛ فإنما يأكل الذئب القاصية) قال السائب: يعني بالجماعة: الصلاة في الجماعة. (رواه أبو داود وحسنه الألباني).
أيها الناس، لأجل تلك الفضائل وغيرها لم تسقط صلاة الجماعة حال الخوف إن أمكن أداؤها، ولم يعذر النبي -صلى الله عليه وسلم – الأعمى الذي جاء يستأذنه في ترك الجماعة متذرعاً بكف بصره مع عدم وجود المرشد الذي يأخذ بيده كما روى مسلم. ولأجلها كان السلف الصالح يعنون بشأن صلاة الجماعة أيما عناية! قال سعيد بن المسيب: ” ما فاتتني التكبيرة الأولى منذ خمسين سنة، وما نظرت إلى ظهور الناس منذ خمسين سنة “، يعني في صلاة الجماعة، وقد فهم المؤمنون من قول الله عز وجل ( واركعوا مع الراكعين ) صلاة الجماعة ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم اذا اقترب وقت صلاة الجماعة قال لمؤذنه ( أرحنا بها) وأثر أن أحدهم إذا فاتته صلاة الجماعة بكى لما يعلم من فوات الأجر العظيم والنفع العميم.
أيها المؤمنون، إن صلاة الجماعة والتخلف عن صلاة الجماعة من العلامات الفارقة التي كان يستدل بها الصحابة – رضي الله عنهم – على الإيمان والنفاق، يقول عبد الله بن مسعود – رضي الله عنه (من سره أن يلقى الله غداً مسلماً، فليحافظ على هؤلاء الصلوات حيث ينادى بهن، فإن الله شرع لنبيكم صلى الله عليه وسلم سنن الهدى، وإنهن من سنن الهدى، ولو أنكم صليتم في بيوتكم كما يصلي هذا المتخلف في بيته، لتركتم سنة نبيكم، ولو تركتم سنة نبيكم لضللتم، وما من رجل يتطهر فيحسن الطهور، ثم يعمد إلى مسجد من هذه المساجد، إلا كتب الله له بكل خطوة يخطوها حسنة، ويرفعه بها درجة، ويحط عنه بها سيئة، ولقد رأيتنا وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق، ولقد كان الرجل يؤتى به يهادى بين الرجلين حتى يقام في الصف) رواه مسلم.
اللهم اغفر لنا…
الخطبة الثانية
أيها المسلمون، لقد زهد كثير من المسلمين في صلاة الجماعة حتى وصل بهم التهاون بها إلى انحطاط مؤلم، فربما تضيع صلاة الجماعة بانشغال أحدهم بالنظر في جواله أو لانشغاله بقراءة المجلات أو انشغاله بمتابعة مسلسلات أو مباريات! ما هذه الغفلة يا عباد الله ؟! إن ترك صلاة الجماعة بهذه الأسباب من عمل الشيطان، ( ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون)، إن صلاة الجماعة تحتاج إلى قوة إيمان وقوة يقين وقوة محبة لها، وما كان لصلاة الجماعة أن تتبوأ هذا النزلة العليا في ميزان الشرع إلا لعظم أثرها في صلاح الفرد والمجتمع؛ فعظموا ما عظّم الله، وقدروا الله حق قدره، وتواصوا بذلك، ﴿ ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾.