خطبة مكتوبة عن الأخوة الإسلامية

الحمد لله …

أيها الناس: إن من أُصول الإيمان وقواعِد الإسلام وضروريات الشريعة المطهرة: تحقيقُ الأُخُوَّة في الله بين المُسلمين، فلزوم الأخوة في الله ضرورة من ضروريات الشريعة الإسلامية وأصل من أصولها، أمر الله بها عباده أمراً جازماً لا صارف له فقال عز وجل ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا ) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( وكونوا عباد الله إخواناً ) أي أقيموا الأخوة الإسلامية فيما بينكم، وجاء التعبير في القرآن عن الأخوة في المؤمنين بصيغة الحصر، وهي صيغة من دلالات الوجوب والفريضة ونشر المودَّة في مُجتمعات المؤمنين، قال – جل وعلا -: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ كما جاء أيضاً في الحديث النبوي صيفة الحصر بأسلوب تعريف طرفي الجملة، قال النبي صلى الله عليه وسلم -: (المسلم أخُو المسلم).

أيها المسلمون إن هذا الأصل العظيم والمبدأَ المتين يقتَضِي حقوقًا وواجبات، ويتطلَّبُ مسؤوليَّات والتِزامات، يقول ربُّنا – جل وعلا -: ﴿ وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بعض﴾، إنها أُخُوَّةٌ تقتَضِي أن يسيرَ المسلم في حياتِه تجاهَ المسلمين بكل مسلَكٍ كريمٍ وخلٍق مستقيمٍ، قال – صلى الله عليه وسلم -: (لا يُؤمنُ أحدُكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسِه).

إنها الأُخُوَّة التي تحمِلُ الصدقَ من القلبِ في جلبِ المصالِح والمنافِع إلى المُسلمين، ودرءِ الشُّرور والأذى عن المُؤمنين، قال – جل وعلا -: ﴿ وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ ، وقال – صلى الله عليه وسلم -: (المسلمُ من سلِمَ المسلمون من لسانِه ويدِه).

إن الأُخُوَّة الإيمانية أصلٌ كبيرٌ في الإسلام، يُزاوِلُه المسلمُ في علاقته بإخوته المُسلمين ومُجتمعه المُسلم مُزاولَةً عباديَّة، ويُمارِسُها كشعيرةٍ من شعائِر الإيمان، يقومُ بها المسلم كفريضةٍ عظيمةٍ لا يدفعُه عنها غرضٌ نفعيٌّ ولا مصلحةٌ ذاتيَّةٌ، وبهذا يصيرُ المُجتمع المسلم كما أرادَه الشرعُ العظيم كالبُنيان الواحِد يشدُّ بعضُه بعضًا، كما قال النبي – صلى الله عليه وسلم -: (المؤمنُ للمُؤمن البُنيان يشدُّ بعضُه بعضًا) وشبَّك بين أصابِعه، بل يصير بها المسلمون كالجسد الواحد،

كما في قولِه صلى الله عليه وسلم : (مثَلُ المؤمنين في توادِّهم وتراحُمهم وتعاطُفهم كمثَلِ الجسَد الواحِد، إذا اشتكَى منه عضوٌ تداعَى له سائرُ الجسَد بالسهَر والحُمَّى).

ومن مُنطلقات هذه الثوابت الإيمانية والأصول الإسلامية فإن أمة الإسلام مُطالبَةٌ أن تُحافِظَ على وحدتها الإسلامية، وصفِّها الإيمانيِّ، وأن تحذَر من مكر الأعداء ومُخطَّطاتهم في تفريق الصُّفُوف، وتمزيق وحدة المسلمين، وبثِّ وسائل العداوة بينهم، ونشر عناصِر البَغضاء في مُجتمعاتهم، ﴿ وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ﴾، فالأعداء الكفرة اتخذوا من التفريق والتمزيق بين المسلمين هدفاً مهماً لبلوغ مكرهم وللوصول إلى تحقيق الفساد في الأرض، وقد فضح الله اليهود بقوله: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعاتب المؤمنين بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ)، أي كافرين بالأخوة ومتجاهلين للدعوة النبوية إلى الأخوة.

أيها المسلمون: إن من أعظم الأهداف التي سعى لتحقيقها النبي صلى الله عليه وسلم حين كان بمكة وحين كان بالمدينة والتي سطرتها سيرته العظيمة أنه اهتم بالدعوة إلى كلمة التوحيد وإلى توحيد الكلمة، جعل هذين الأمرين أصلاً في دعوته ، فدعا إلى توحيد الله بالإخلاص في العبادة له وحده لا شريك له ودعا إلى توحيد الكلمة بالدعوة إلى الأخوة الصادقة، والمتأمل في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في توضيح منهجه وفي أقواله وأفعاله وأخلاقه وتقريراته يدرك أنها متضمنة لهذين الأمرين العظيمين، كلمة التوحيد وتوحيد الكلمة، إلى توحيد الله وإلى توحيد الأخوة في الله، يجب أن نتمسك بالأخوة في الله في المعتقد والأقوال والأفعال والأخلاق والسلوك والتعاملات.

إن ما تُعانيه أمة المسلمين اليوم من تفرُّق المُجتمع الواحد، وانتِشار ثقافَة العداوَة والبَغضاء في مُجتمعٍ واحدٍ حتى آلَ الأمرُ إلى حملِ بعضِهم السلاحَ على بعضٍ لأمرٌ لا يُرضِي ربَّ العالمين، ولا يستقيمُ مع أحكام الدِّين، ولا يتَّفقُ مع وصايا سيِّد الخلقِ – عليه أفضل الصلاة والتسليم -.

أمة الإسلام: احذَروا من أسباب التفرُّق، تجنَّبوا عوامِل الفتن، احذَروا من أفعالٍ تُؤدِّي إلى مفاسِد لا تُحصَى، وشرورٍ لا تتناهَى من سفكِ الدماء، وهَتك الأعراض، وإفساد المُقدَّرات، وخَلخَلة الصفِّ، وزوال هيبَة مُجتمع المُسلمين، والأعداءُ يتفرَّجون فرِحين مُستبشِرين.

فذلكم ما يقعُ في الأمة، ذلك هو بُغيةُ الأعداء وهدفُهم ومقصدُهم وغرضُهم، ﴿ لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ

فما تجرأ اليهود على العبس بقدرات ومقسات المسلمين إلا لعلمهم أن ردة الفعل من المسلمين ستكون ضعيفة بسبب ما حل بالمجتمعات الإسلامية من شتات، وقد حلَّت النَّكبَات ووقعَت المثُلات في المسلمين ببعدهم عن الأخوة في الله وسلوكهم مسالِك العداوات الهَوجاء، والتعاملات العَوجاء، يقول – صلى الله عليه وسلم – مُخاطِبًا بخطابٍ صريحٍ يفهمُه كلُّ أحدٍ: (من صلَّى صلاتَنا، واستقبلَ قبلتَنا، وأكلَ ذبيحَتنا فذلك المسلم الذي له ذمَّةُ الله وذمَّةُ رسوله)؛ رواه البخاري، ويقول – صلى الله عليه وسلم -: (المسلم أخو المسلم لا يظلِمه ولا يخذُلُه ولا يحقِره، كل المُسلم على المسلم حرامٌ دمُه ومالُه وعِرضُه)، ألا وإن من علامات التوفيق، وعلامات السعادة: أن يكون المسلم سببًا للأُلفة وعاملاً لجمع الكلمة ووحدة الصفِّ،

وإن من الخُذلان والخُسران: السعيَ بالإفساد بين المسلمين، ونشرَ أسباب العداوة بينهم، يقول ربُّنا – جل وعلا -: ﴿ لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ ﴾، ﴿ إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ ﴾ ﴿ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ﴾، ويقول – صلى الله عليه وسلم -: (ألا أخبِرُكم بأفضل من درجَة الصيام والصدقة والصلاة؟). قالوا: بلى. قال: (إصلاحُ ذاتِ البَيْن).

اللهم اغفر لنا…  

الخطبة الثانية

إن الإسلام وهو يؤكِّدُ على تحريم الأُخُوَّة الإيمانية ليُحرِّم تحريمًا تأكيدًا أن يحمِل المسلم البغضاءَ للمؤمنين والعداوةَ للمسلمين، مما يُثيرُ فتنًا لا تُحصَى، قال – صلى الله عليه وسلم -: (لا تباغَضُوا، ولا تحاسَدوا، ولا تدابَروا، ولا تقاطَعوا)، وقال – صلى الله عليه وسلم -: (تُفتَحُ أبوابُ الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيُغفَرُ لكل عبدٍ لا يُشرِك بالله شيئًا، إلا رجلاً كانت بينه وبين أخيه شَحناء، فيُقال: أنظِروا هذين حتى يصطلِحَا).

ينبغي على مل مسلم أن يحرِص على سلامة قلبِه من الغلِّ لإخوانه المسلمين، مهما اختلفَ معهم في وجهات النَّظر.

يجبُ عليه أن يُحبَّ لهم كل خيرٍ وصلاحِ ونفعٍ، فنبيُّنا – صلى الله عليه وسلم – يقول: (من أحبَّ أن يُزحزحَ عن النار ويُدخَل الجنة فلتأتِه منيَّتُه وهو يؤمنُ بالله واليوم الآخر، وليأْتِ إلى الناس الذي يحبُّ أن يُؤتَى إليه)، أين نحن يا أمة الإسلام من تحقيق الوئام والحب والسلام؟!

اللهم ألف بين قلوب المسلمين وأصلح ذات بينهم.