من صفات المؤمنين التأمل في يوم الدين

خطبة مكتوبة: بعنوان: من صفات المؤمنين التأمل في يوم الدين

الحمد لله…

أيها الناس: في خضم ما يعيشه الناس في هذا الزمن من بهارج الدنيا وغرورها وما فيها من الملهيات والشهوات يغفل كثير من الناس عن التأمل والتذكر في يوم القيامة وما فيه من العبر التي جاءت في الآيات والسور، فالتأمل في يوم الدين فيه مزدجر للمسلمين، وعبرة للمعتبرين وموعظة للعالمين، فقد جاء في نصوص الوحي آيات وأحاديث كثيرة وكثيرة فيها الخبر عن اليوم الآخر، فيها المواعظ والزواجر، بل لقد نزلت سور من القرآن تتسمى باسم يوم القيامة الذي تعددت أسماؤه وكثرت أوصافه وكثرة الأسماء لمسمى واحد دليل على عظمته وجلالة شأنه، فسورة اقتربت الساعة والواقعة والتغابن والحاقة والقيامة والتكوير والانفطار والانشقاق والغاشية والزلزلة والقارعة سور تسمت باليوم الآخر، سور محفوظة ومقروءة، ومع ذلك يغفل الغافلون، بل إن سورة الفاتحة والتي يقرؤها المصلون في كل ركعة من الفرائض والنوافل فيها قوله تبارك وتعالى: ( مالك يوم الدين) أين نحن من التأمل في هذه الآية المتكررة على أسماعنا أوقاتاً كثيرة في اليوم والليلة، هل تأملنا في هذه الآية والتي تتحدث عن يوم الدين (وما أدراك ما يوم الدين ثم ما أدراك ما يوم الدين يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله)، سمي بيوم الدين لأن الناس يدانون فيه بأعمالهم أي يجازون بأعمالهم ( أئذا متنا وكنا تراباً وعظاماً أئنا لمدينون) أي لمجازون بأعمالنا، ( لينذر يوم التلاق * يوم هم بارزون لا يخفى على الله منهم شيء لمن الملك اليوم لله الواحد القهار * اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم إن الله سريع الحساب * وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور).

أي أنذر الناس وأبلغهم عن أن يوم القيامة أزف أي اقترب وإذا جاء فإن قلوب العباد تتعلق بحناجرهم من شدة الهرع والخوف، وهم ممتلئون هماً وغماً، ما للظالمين من قريب ولا صاحب يسمع كلامه ولا قبيلة ولا جيش يدفع عنهم العقاب، فيسمى بيوم التغابن لأن الظالمين تأخذ حسناتهم كلها وتوضع ليهم سيئات المظلومين فيحصل الغبن للظالمين فإذا بهم مفلسون، وفي الحديث: ( المفلس من يأتي بحسنات ولكنه ظلم هذا وأخذ مال هذا ولطم هذا فيأخذ من حسناته فإذا فنيت أخذ من سيئاتهم وطرح عليه ثم طرح في النار).

أيها الناس: يسمى اليوم الآخر بيوم الطامة ويوم الصاخة ويوم التناد ويم الحسرة ويوم الحساب، والإيمان باليوم الآخر ركن من أركان الإيمان لا يصح إيمان العبد إلا بإيمانه بكل أركان الإيمان ومنها الإيمان باليوم الآخر، ويلزم من الإيمان باليوم الآخر الإيمان بكل ما يكون فيه مما أخبر الله به من الميزان والصراط والجنة والنار، وإذا ترسخ ذلك في قلب وذهن المؤمن سارع في الأعمال الصالحة وأخذ كامل حذره من الأعمال السيئة، لقد ذم الله الغافلين عن اليوم الآخر فقال: ( إن هؤلاء يحبون العاجلة ويذرون وراءهم يوماً ثقيلاً) وأثنى الله على المؤمنين لأنهم يقولون: ( إنا نخاف من ربنا يوماً عبوساً قمطريراً * فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً وجزاهم بما صبروا جنة وحريراً * متكئين فيها على الأرائك لا يرون شمساً ولا زمهريراً) الظالمون في التغابن والحسرات والعرصات والويلات والمؤمنون يمر عليهم كوقت صلاة مكتوبة أو كقيلولة وصاحب الصدقة في ظل صدقته حتى يقضى بين العباد، ( يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية) فالمؤمنون في عيشة راضية، فهنيئاً لمن يحضى يومئذ بعيشة راضية فقد جبلت الأنفس على محبة العيشة الراضية ويقال لهم ( كلوا واشربوا هنيئاً بما أسلفتم في الأيام الخالية) ويقول عز وجل ( إن إلينا إيابهم ثم إن علينا حسابهم).

اللهم اغفر لنا أجمعين واهدنا إلى صراطك المستقيم.