أيها المسلمون: لقد انقضى بالأمس القريب عيد الأضحى المبارك، وولى حاملاً كل ما كان فيه من أعمال وأقوال في سجلات لأصحابها، وإن الأيام والليالي والشهور والأعوام بما فيها من مواسم الخير هي خزائن الأعمال والأقوال، فطوبى لمن ملأ خزائنه بالأعمال والأقوال الصالحة والطيبة، والتي تؤتي ثمارها بالسعادة لصاحبها في كل وقت وحين، وتدخر له بالحسنات والأجر الثمين.
ألا واعلموا -عباد الله- أنه وإن كان عيد الأضحى انقضى ومضى وهو عيد سنوي فإن يوم الجمعة عيد أسبوعي، فهو يوم مبارك، وإن كان يوم عرفة وعيد الأضحى أفضل أيام في السنة فإن يوم الجمعة المبارك أفضل يوم في الأسبوع، ويزيد فضله بفضل تكراره، ففي العام الواحد نحو خمسين جمعة، وكل جمعة جديدة بالنسبة لسابقتها.
لقد اصطفى الله هذه الأمة من بين الأمم، واصطفى رسولها محمداً صلى الله عليه وسلم، واصطفى لها يوم الجمعة، فيوم الجمعة له فضل عظيم ومكانة رفيعة في الإسلام، فالصلوات الخمس ميزان اليوم والليلة، وصلاة الجمعة ميزان الأسبوع، وصيام رمضان ميزان السنة، والحج ميزان العمر، والعمر يتزن باتزان أيامه ولياليه وأسابيعه وشهوره وسنينه.
أيها المسلمون: لقد عظم الإسلام يوم الجمعة لما فيه من خصائص عظيمة، ومن تلك الخصائص والمزايا أنه عيد الأسبوع، وشعيرة كبرى، وموسم كريم يتكرر كل سبعة أيام، اختص الله عز وجل هذه الأمة بيوم الجمعة، ففي الصحيحين عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: (نحن الآخرون الأولون السابقون يوم القيامة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا، ثم هذا يومهم الذي فرض الله عليهم فاختلفوا فيه، فهدانا الله له، والناس لنا فيه تبع، فلنا الجمعة ولليهود السبت وللنصارى الأحد) وفي المسند والسنن من حديث أوس بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: (من أفضل أيامكم يوم الجمعة، فيه خلق الله آدم، وفيه قبض، وفيه النفخة، وفيه الصعقة، فأكثروا علي من الصلاة فيه فإن صلاتكم تبلغني) وعند مسلم : (خير يوم طلعت عليه الشمس يوم الجمعة).
يوم الجمعة أعظم يوم يجتمع فيه المسلمون في البلدان والأمصار، فهو من أيام الله العظيمة قدراً، وأجلها شرفًا، وأزكاها أجراً وأكثرها فضلاً، فقد اصطفاه الله تعالى على غيره من الأيام، وفضله على ما سواه من الأزمان، واختص الله به أمة الإسلام، حتى إن اليهود ليحسدون المسلمين على يوم الجمعة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم عن اليهود: (إنهم لا يحسدوننا على شيء كما يحسدوننا على يوم الجمعة التي هدانا الله لها، وضلوا عنها) وجاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال: إنكم تقرؤون آية في كتابكم، لو علينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيداً، قال عمر: (وأي آية؟) قال: قوله: (ٱلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي ورضيت لكم الإسلام ديناً) فقال عمر: (والله، إني لأعلم اليوم الذي نزلت على رسول الله، والساعة التي نزلت فيها على رسول الله؛ عشية عرفة في يوم جمعة وكلاهما لنا عيد).
ومن خصائص يوم الجمعة أنه إذا نودي لصلاة الجمعة يحرم البيع والشراء وكل لهو دنيوي من أعمال وإجارة وتجارة، يقول الله عز وجل: (يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ إِذَا نودي لِلصَّلَوٰةِ مِن يَوْمِ ٱلْجُمُعَةِ فَٱسْعَوْاْ إِلَىٰ ذِكْرِ ٱللَّهِ وَذَرُواْ ٱلْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ * فَإِذَا قُضِيَتِ ٱلصَّلَوٰةُ فَٱنتَشِرُواْ فِى ٱلأَرْضِ وَٱبْتَغُواْ مِن فَضْلِ ٱللَّهِ وَٱذْكُرُواْ ٱللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
صلاة الجمعة التي هي من آكد فروض الإسلام، ومن تركها تهاونًا بها طبع الله على قلبه، وإن من كبائر الذنوب ـ يا عباد الله ـ أن يتخلف المسلم عن حضور الجمعة من غير عذر شرعي، فقد ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم التحذير من ذلك مبينًا أنّ من فعل ذلك، فقد عرّض نفسه للإصابة بداء الغفلة عن الله والطبع على القلب، ومن طبع على قلبه وقع في مستنقع الغفلة، روى مسلم في صحيحه أن رسول الله قال: (لينتهين أقوام عن ودعهم الجمعات أو ليختمن الله على قلوبهم ثم ليكونن من الغافلين)، وروى الإمام أحمد بإسناد حسن والحاكم وصححه عن أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول الله قال: (من ترك الجمعة ثلاث مرات من غير ضرورة طبع الله على قلبه).
أيها الناس: إذا كان المسلمون تقربوا إلى الله في عيد الأضحى بالقرابين والأضاحي من إبل وبقر وشياه ونالوا بذلك الحسنات فإن هذه المعاني موجودة في التبكير لصلاة الجمعة، ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( من اغتسل يوم الجمعة وأتى في الساعة الأولى فكأنما قرب بدنة، – أي ناقة- ومن جاء في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن جاء في الساعة الثالثة فكأنما قرب كبشاً أقرن….الحديث) أي كلما بكر زاد الأجر.
اللهم اغفر لنا…
الخطبة الثانية.
ومن خصائص يوم الجمعة قراءة سورة الكهف لما فيها من الدعوة إلى الحماية من الافتتان في الدين أو المال أو العلم أو الملك، ومن خصائص يوم الجمعة الإكثار من الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاغتسال والتطيب ولباس الجديد والتبكير للغدو لصلاة الجمعة وتحريم البيع والشراء إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة، وحسن الإنصات والاستماع للخطبة، لما في ذلك من الأجر العظيم والنفع العميم.لقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعظم يوم الجمعة، ويبين أن له في دين الإسلام أحكاماً مقررة وآداباً محفوظة، قال صلى الله عليه وسلم: (من اغتسل يوم الجمعة ومس من طيبه إن كان له، ولبس أحسن ثيابه ثم خرج وعليه السكينة حتى يأتي المسجد ثم يركع ما بدا له، ولم يؤذِ أحداً، ثم أنصت إذا خرج إمامه حتى يصلي كانت كفارة لما بينهما)، أي بين الجمعتين، وفي لفظ ( وزيادة ثلاثة أيام)، نعم لأن الحسنة بعشر أمثالها.
ومن خصائصه ساعة إجابة الدعاء، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (إن في الجمعة ساعةً لا يوافقها عبدٌ مسلم وهو قائمٌ يصلي يسأل الله شيئاً إلا أعطاه إياه) متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه، وهي ساعة من كل اليوم، وأرجى أوقاتها ما بين العصر إلى غروب الشمس.