مكانة الصدقة في عمل الخير

الحمد لله  خطبة مكتوبة بعنوان ( مكانة الصدقة في عمل الخير)

الحمد لله

أيها الناس لقد ذكر الله جل وعلا مشهداً عظيماً حين يحضر الموت لقبض الروح فيتمنى الميت لو يؤخر لأجل قريب يتسع لوقت يتصدق فيه ابتغاء مرضات الله، قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا لا تلهكم أموالكم ولا أولادكم عن ذكر الله ومن يفعل ذلك فأولئك هم الخاسرون* وأنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي أحدكم الموت فيقول رب لولا أخرتني إلى أجل قريب فأصدق وأكن من الصالحين ولن يؤخر الله نفساً إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون)، فتمنى ذلك المحتضر أن يتصدق فقدم ذكر الصدقة بخصوصها على ذكر العمل الصالح بعمومه ( فأصدق وأكن من الصالحين) وفيها لفتة أخرى وهي أن المسلم حين يتصدق تفتح له السبيل فيكون من الصالحين، وقد ورد ذكر الصدقة بخصوصها مقدمة على المعروف بعمومه، قال تعالى: ( لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله فسوف نؤتيه أجرا عظيماً)، وفيها لفتة أخرى وهي أن الصدقة تثمر المعروف وتثمر الإصلاح بين الناس.

اعلموا عباد الله أن الصدقة تحجب صاحبها عن النار، وهذا – والذي أنفسنا بيده – أكبر هدف يسعى الإنسان لنيله، وذلك الحجاب على قدر الصدقة حتى قال المصطفى صلى الله عليه وسلم ( اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه، ومعنى اتقوا النار أي احتجبوا عنها واتخذوا لأنفسكم وقاية من حرها وزفيرها ولهيبها.

إن الصدقة ظل وارف لصاحبها يوم القيامة (كُلُّ امْرِئٍ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ حَتَّى يُفْصَلَ بَيْنَ النَّاسِ، وفي لفظ حتى يحكم أو قال يقضى بين العباد، وفي لفظ: (إِنَّ الصَّدَقَةَ لَتُطْفِيءُ عَنْ أَهْلِهَا حَرَّ الْقُبُورِ، وَإِنَّمَا يَسْتَظِلُّ الْمُؤْمِنُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي ظِلِّ صَدَقَتِهِ) رواه الطبراني وابن حبان والحاكم وغيرهم بأسانيد صحيحة عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار، فعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رضي الله عنه قَالَ: كُنْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصْبَحَتْ يَوْمًا قَرِيبًا مِنْهُ وَنَحْنُ نَسِيرُ ، فَقَالَ: ( أَلا أَدُلُّكَ عَلَى أَبْوَابِ الْخَيْرِ الصَّوْمُ جُنَّةٌ ، وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطِيئَةَ كَمَا يُطْفِئُ الْمَاءُ النَّارَ ، وَصَلاةُ الرَّجُلِ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ) الحديث رواه الترمذي وغيره .

الصدقات هي التي تبقى لأصاحبها يلقونها أمامهم يوم القيامة وما عداها فإنهم تاركوه ويقدمون على ربهم فرادى، ( ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم) وقال النبي صلى الله عليه وسلم ( أيكم ماله أحب إليه من مال وارثه؟ قالوا ما منا من أحد إلا وماله أحب إليه من مال وارثه، قال: ماله ما قدم ومال وارثه ما أخر) رواه الترمذي وغيره بسند صحيح عن ابن مسعود، وفي الحديث الآخر عن عائشة رضي الله عنها أنهم ذبحوا شاة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم بالصدقة منها فتصدقوا بها وبقي كتفها فقال: (ما ذا صنعتم بالشاة) قالوا كلها فنيت إلا كتفها فقال: ( كلها باقية إلا كتفها) رواه الترمذي وصححه الألباني.

صاحب الصدقة من السبعة الذين يستظلون بظل عرش الرحمن قال النبي عليه الصلاة والسلام ( سبعة يظلهم الله في ظله وفي لفظ بظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله،… وذكر منهم (ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما أنفقت يمينه) كناية عن شدة الإخلاص والحديث متفق عليه

الصدقة يأتي عليها زمان فلا يجد المتصدق من يقبل صدقته ( يمر المتصدق بصدقته فلا يجد من يقبلها ) فبادروا عباد الله والتحقوا ركب المتصدقين، فقد أعطى الله النفع العميم وأعد الأجر العظيم للمتصدقين والمتصدقات، فقال: ( إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات …إلى قول، (والمتصدقين والمتصدقات)   وختم الآية بقول: ( أعد الله لهم مغفر وأجراً عظيماً) وقال ( وما تنفقوا من شيء فهو يخلفه وهو خير الرازقين) ( وما تقدموا لأنفسكم من خير تجدوه عند الله هو خيراً وأعظم أجراً واستغفروا الله إن الله غفور رحيم)

أيها الناس إن أعظم الصدقات هي الزكاة لأنها فريضة ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم ) أي ادع لهم

لكن المؤمن المبادر لطاعة الله يكثر من الصدقة لما فيها من الحسنات العظيمة ( مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة والله يضاعف لمن يشاء والله واسع عليم) وفي الحديث (إذا أخرج المسلم صدقته تقبلها الله بيمينه فيربيها له حتى تصير مثل الجبل) متفق عليه عن أبي هريرة رضي الله عنه، فهي صدقة تتضاعف وتتكاثر حسنات ودرجات لصاحبها،

إن المسلم المتصدق تدعوا له الملائكة بالبركة في الرزق والصحة والمال والولد، ( كل يوم تطلع فيه الشمس ينزل ملكان فيقول أحدهما اللهم أعط منفقا خلفاً ويقول الآخر اللهم أعط ممسكاً تلفاً) رواه البخاري ومسلم.

ألا واعلموا عباد الله أن الصدقة تقبل من صاحبها بإخلاصه لله واحتسابه الأجر من الله وأن لا يتبعها بمن ولا أذى ( قول معروف ومغفرة خير من صدقة يتبعها أذى والله غني حليم) كما ينبغى الحرص على وضع الصدقة في المكان الأنفع والأشد حاجة فلا ينبغي أن تعطى من لا يحتاجها مع وجود من هو بأشد الحاجة إليها.

كذلك يا عباد الله من الصدقات المستديمة النفع الوقف الخيري الصدقة الجارية جاء في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له) اجتزئ من مالك أيها السلم لوقف يكون صدقة جارية تدر على اليتامى والفقراء والمساكين ، اعمل بئرا ليشرب منه الناس والأنعام، اعمل مستشفى لعلاج المرضى ومداواة الجرحى، صدقتك لك أيها المسلم ( وما تنفقوا من خير فلأنفسكم) ( وافعلوا الخير لعلكم تفلحون) ( وما تنفقوا من خير فإن الله به عليم).

اللهم اجعلنا من عبادك المتصدقين….

( عيسى يحيى معافا)

  موقع لمن اهتدى