أيها الناس لقد جعل الله تبارك وتعالى شهر رمضان أفضل الشهور وأعظمها وأزكاها، لما خصه من خصائص ليست في بقية الشهور، فأنزل فيه القرآن وفرض صيام نهاره ورغب في قيام ليله وجعل فيه ليلة القدر وهي خير من ألف شهر ، وامتن بمغفرة الذنوب لمن صام وقام إيمانا واحتساباً كما روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه).
وإذا كان شهر رمضان بهذا الفضل العظيم والنفع العميم والمنزلة العالية فإن العشر الأخيرة منه هي أفضل أيامه وأعظم لياليه، وهي أرجى لياليه التي تكون فيها ليلة القدر، وهي الليلة المباركة كما قال الله تعالى: ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منزلين * فيها يفرق كل أمر حكيم * أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين * رحمة من ربك) وهي الليلة التي تتنزل فيها الملائكة ( إنا أنزلناه في ليلة القدر وما أدراك ما ليلة القدر ليلة القدر خير من ألف شهر تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر سلام هي حتى مطلع الفجر).
وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم أسرع الناس وأجود الناس بالخير وأجود ما يكون في رمضان يلقاه جبريل كل ليلة في رمضان فيتدارسان القرآن، كما في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما فإنه صلى الله عليه وسلم كان يولي العشر الأخيرة من رمضان اهتماماً أكبر وأكثر ، روى مسلم في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت: ( كان النبي صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأخيرة من رمضان ما لا يجتهد في غيرها)، وروى البخاري ومسلم في صحيحيهما عنها رضي الله عنها قالت: (كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر الخيرة من رمضان أحيا ليله وأيقظ أهله وجد وشد المئزر) وذلك كناية عن الانقطاع للعبادة بصلاة الليل وقراءة القرآن والدعاء والاعتكاف، فقد اعتكف في العشر الأخيرة من رمضان وحث على الاعتكاف فيها .
اجتهدوا عباد الله في الأعمال الصالحة فالله يقول: ( فاستبقوا الخيرات أينما تكونوا يأت بكم الله جميعاً إن الله على كل شيء قدير) ويقول: ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين * الذي ينفقون في السراء والضراء) وقال عز من قائل: ( سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله ).
أيها المسلمون إن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم أن يجتهد في العبادة في العشر الأخيرة من رمضان أكثر من غيرها خلافا لمن يبدؤون في التقليل من العبادة كلما اقتربت نهاية الشهر عياذا بالله، وبعضهم يخصصون العشر الأخيرة من رمضان للأسواق ويا ليتهم أخذوا حاجاتهم كاملة من الأسواق قبل دخول العشر ليتفرغوا للعبادة ويجتهدوا في الطاعة !
ورد في الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج في ليالي العشر من رمضان إلى المسجد فجعل يصلي صلاة طويلة يطيل في القراءة والركوع والسجود فرآه بعض أصحابه فصلوا خلفه بصلته فلما أصبحوا تحدثوا مع المسلمين فاجتمع المسلمون في المسجد حتى امتلأ المسجد من كثرتهم فخرج النبي صلى الله عليه وسلم فصلى وصولوا معه فلما أصبحوا أيضا تحدثوا بذلك فعجز المسجد عن استيعابهم فامتلأ بهم المسجد حتى صلى آخرون خارج المسجد وقال قائلهم صلى بنا النبي صلى الله عليه وسلم وأحيا الليل كله حتى خشينا أن يفوتنا الفلاح يعني السحور وكانوا يسمون السحور الفلاح.
أيها المسلمون: وإذا كان شهر رمضان شهر الصيام والقيام والتحري لليلة القدر وكثرة التهجد والدعاء والصدقات والعطاء والصلة والمحبة والإخاء فإنه كذلك شهر الجهاد في سبيل الله حين تتضح الراية فقد خرج النبي صلى الله عليه وسلم لمعركة بدر الكبرى في شهر رمضان المبارك، وكانت معركة فاصلة انتصر فيها المسلمون رغم قلة عددهم وعدتهم، حتى وصف يوم بدر ب(يوم الفرقان يوم التقى الجمعان) وكذلك كان فتح مكة المكرمة في شهر رمضان، حتى ندرك أن أمة الإسلام شرع الله لها سبيل حماية دينها وعقيدتها وقيمها وثوابتها وأن المسلمين الصائمين القائمين هم حماة دينهم وعقيدتهم بالوسائل الشرعية والمتاحة، قال الله تعالى: (يَاأَيُّهَاالَّذِينَآمَنُواارْكَعُواوَاسْجُدُواوَاعْبُدُوارَبَّكُمْوَافْعَلُواالْخَيْرَلَعَلَّكُمْتُفْلِحُونَ * وَجَاهِدُوافِياللَّهِحَقَّجِهَادِهِهُوَاجْتَبَاكُمْوَمَاجَعَلَعَلَيْكُمْفِيالدِّينِمِنْحَرَجٍمِّلَّةَأَبِيكُمْإِبْرَاهِيمَهُوَسَمَّاكُمُالْمُسْلِمينَمِنقَبْلُوَفِيهَذَالِيَكُونَالرَّسُولُشَهِيداًعَلَيْكُمْوَتَكُونُواشُهَدَاءعَلَىالنَّاسِفَأَقِيمُواالصَّلَاةَوَآتُواالزَّكَاةَوَاعْتَصِمُوابِاللَّهِهُوَمَوْلَاكُمْفَنِعْمَالْمَوْلَىوَنِعْمَالنَّصِيرُ )