هل الهدى حق أوجبه الله على نفسه؟

السؤال هو: هل الهدى من الله لخلقه واجب على الله؟

الجواب

 القول بأن الهدى واجب على الله، من جملة الأمور التي لم ترددها الألسنة في عهد الصحابة الكرام، والقرون المفضلة، رضي الله عنهم، وإنما جاءت بعد انتشار فلسفة اليونان، ويعود سبب انتشار مثل هذا القول، إلى ضعف التعظيم لله في قلوب كثير من الناس، وانتشار الجرأة على الخوض في مثل هذه الأقوال، وقد غلت طوائف من المتفلسفة والمتكلمة وقالوا: إن الله يلزمه وجوباً أن يرسل المرسلين ويبين للناس طريق الصلاح والهداية، وذلك بسبب قولهم في التحسين والتقبيح العقليين، فجعلوا إرسال الرسل واجباً على الله تعالى، وهذا من التكلف في القول ومن المسائل التي لم توجبها علينا شريعة الإسلام، فإرسال الرسل والأنبياء هو فضل من الله ومنة، قال تعالى: ( لقد من الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين) وقال تعالى: (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين * قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون) وقال تعالى: (ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا) والآيات في هذا المعنى معلومة.

طريقة أهل السنة والجماعة ألا يقولوا قولاً على الله إلا بنص صحيح صريح،معلوم من الدين بالضرورة وبألفاظ النص الوارد، ومن ذلك كقول الله تعالى: ( وكان حقاً علينا نصر المؤمنين) فهي نص في النصر ، وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه في الصحيحين وغيرهما، وفيه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (حق الله على العباد أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئا، وحق العباد على الله أن لا يعذب من لا يشرك به شيئا) نص في عدم العذاب لمن ماتوا على التوحيد الخالص لله تبارك وتعالى.

إن الله عز وجل وتعالى وتقدست أسماؤه واجب الكمال في كل صفاته بموجب ضرورة العقل، وكما جاء به النص من كون أسمائه هي الحسنى، أي بلغت في الحسن غايته  وصفاته جل في علاه هي الصفات العليا، ولكننا مع ذلك لا نملك أن نعتقد وجوب فعل عليه لم يأتنا به النص من عنده عز وجل على أنه واجب عليه سبحانه وتعالى، وما ينبغي لنا ذلك، بل ولا يجوز أن نقول إن الله أوجب على نفسه كذا، كما نسمعه كثيراً من بعض الخطباء فلا نعتقد ولا نقول ذلك إلا بما جاء به الدليل.

بناء على ما تقدم فلا شك أن الإجابة على سؤالك هي: أن نعتقد أن الهدى لا يجب على الله سبحانه وتعالى، إذ أنه جل في علاه يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وكما قال تعالى: ( وربك يخلق ما يشاء ويختار، ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون) وقال تعالى: (ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين)، وقال تعالى: (لا يسأل عما يفعل وهم يسألون)، وقال تعالى: (يهدي من يشاء ويضل من يشاء)، وقال : (ولو شاء لهدى الناس جميعا)، وقد جعل القرآن هدى، والرسل والرسالات كل ذلك من الهدى الذي تكرم به ومنً به على عباده، قال تعالى: ( فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون)، ونصوص القرآن والسنة تدل على أن ما ذهب إليه أهل السنة والجماعة هو الحق خلافاً للمعتزلة وغيرهم من أصحاب الأهواء والفلسفة والرأي، قال الله تعالى: (من يهدي الله فهو المهتدي).

( عيسى يحيى معافا)

 موقع لمن اهتدى