الحمد لله رب العالمين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ولا عزة إلا لله ولرسوله وللمؤمنين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن نبينا محمداً عبده ورسوله صلى الله وسلم عليه وعلى آله أجمعين.
أما بعد: فإنه لا استقرار ولا أمن ولا أمان لأي حكومة تحكم المجتمع المسلم في أي زمان ومكان، إلا بوجود دستور فيه الدعوة إلى العدل والإيمان والتحذير من الظلم والعدوان، كأرضية لانطلاق كل القوانين في العبادات والمعاملات، والسياسات والتنمية والاقتصاد والعلاقات، وكل مناحي الحياة من تعليم وصحة.
وقد أنزل الله عز وجل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم القرآن الكريم وفيه الإعجاز الذي يبهر المتأملين لنصوصه، والمتدبرين لآياته، فمثلاً القرآن كله يتكلم عن التوحيد لله سبحانه، بينما يذكر التوحيد في سورة أو في آية أو في كلمة، وهذا من الإعجاز، وأيضا منهج الحكم بما أنزل الله يعرف في كل القرآن، بينما يذكر ذلك المنهج في سورة، أو في آية أو في كلمة، وقد اقترن ذكر الحكم بما أنزل الله والتوحيد لله في آية واحدة، بل في النصف منها، وهي قول الله عز وجل: ( إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون) سورة يوسف آية 40
لذلك نجد أن الله سبحانه أخبر عن حكومة إسلامية أشاد بها في القرآن العظيم، وأشاد برئيسها عليه السلام الذي أفصح عن سياسة حكومته ، ألا وهو ذو القرنين عليه السلام، الذي أوحى الله خبره وقصته على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ليبلغ الأمة بذلك، ويسوسهم على ذلك، وأمر بأن ينتهجوا هذه السياسة في كل وقت وحين التي تكفل نجاتهم وسعادتهم وقوتهم وعزتهم على كل صعيد.
فذو القرنين عليه السلام مكنه الله في الأرض وجعله حاكماً، فقال سبحانه ( ويسألونك عن ذي القنين قل سأتلوا عليكم منه ذكراً، إنا مكنا له في الأرض وآتيناه من كل شيء سبباً، فأتبع سببا) سورة الكهف آية 83-85 ولما تمكن عليه السلام من رئاسة الحكومة وأصبح يدير شؤون رعيته تلقى سؤالاً مفاده ومحتواه (يا ذا القرنين وقد أصبحت حاكماً تدير شؤون الرعية، هل ستعذب القوم جميعهم، أم ستحسن إليهم جميعهم)؟ وهو استفسار عن الدستور الذي يسير على ضوئه والسياسة التي ينتهجها، والقانون الذي يقره، ( …قلنا يا ذا القرنين إما أن تعذب وإما أن تتخذ فيهم حسنا) سورة الكهف آية 86، فسرعان ما أجاب عليه السلام عن هذا السؤال ( قال أما من ظلم فسوف نعذبه ثم يرد إلى ربه فيعذبه عذابا نكراً، وأما من آمن وعمل صالحاً فله جزاء الحسنى وسنقول له من أمرنا يسراً) سورة الكهف آية 87-88،
فهذه كلها بنود الدستور مذكورة في هاتين الآيتين، العمل الصالح إيماناً وعدلاً والتقريب للمؤمنين، والزجر عن الظلم والعدوان ومعاقبة ومحاسبة الظالمين ، وهذا ثناء على ذي القرنين من الله عز وجل بأنه حين حكم صار حرباً على الظالمين وسلماً للمؤمنين، فالظلم مصدر لكل فساد، في الأقوال والأفعال، والإيمان والعمل الصالح مصدر للعدل والإحسان في الأقوال والأفعال، وبهذا تقوم الحكومة الإسلامية، في إعلامها وقضائها واقتصادها ومناهج التعليم والصحة، وسياسة علاقاتها مع الآخرين.
وبهذا الثناء عليه من الله عز وجل في الوحي المعصوم المنزل على النبي صلى الله عليه وسلم دلالة على أن النجاة والسعادة والحياة الطيبة والجزاء الحسن في الآخرة كلها تكون في الإيمان والعمل الصالح الذي ينشر العدل ويحارب الظلم، ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) سورة النحل آية 97، فهل وصلت هذه المعاني في القرآن والسنة إلى آذان صاغية وقلوب واعية؟ هذا الذي نرجو ونأمل فعلينا بالصدق والعمل والثقة واليقين وحسن الظن بالله عز وجل.