أيها الناس: ونحن في شهر رمضان المبارك وقد ذهب نصف منه، ذهب ذلك النصف من الشهر المبارك بلا عودة بنفس التأريخ ، ذهب بما يحمل فيه من حسنات المحسنين، وتفريط المفرطين وغفلة الغافلين وسيئات المسيئين، ذهبت تلك الأيام وهي تحمل معها صدق الصادقين وكذب الكاذبين، وإشاعات المرجفين، إنها أيام شاهدة لمن أودع فيها الحسنات والتقوى، وشاهدة على من أودع فيها السيئات والردى.
ألا وإن مما جاء في توجيهات الإسلام أن تنتهز الفرصة أيها المسلم في أيامك ولياليك، لا سيما في الأوقات المباركة كشهر رمضان تنتهز الفرصة بأنواع من أعمال البر والتي هي ذخر لصاحبها تعود عليه بمنافعها في الدين والدنيا والبرزخ والآخرة، فالأعمال الصالحة سبب للسعادة التي لا تنقطع قال الله تبارك وتعالى: ( من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون) وقال تعالى: ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنكفرن عنهم سيئاتهم ولنجزينهم أحسن الذي كانوا يعملون)، ألا وإن من جملة الأعمال الصالحة التي يتقرب بها المسلمون إلى ربهم عز وجل أن يؤدوا زكاة أموالهم كما أمرهم الله تبارك وتعالى، قال سبحانه ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها وصل عليهم إن صلاتك سكن لهم)، وصل عليهم أي ادع لهم واستغفر لهم، وفي الآية دلالة على مشروعية الدعاء للمتصدقين، إذا رأيت من يخرج زكاة ماله فادع له كأن تقول: أسأل الله أن يتقبل منك ما أعطيت ويبارك لك فيما أبقيت، وقال الله : ( وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين ويقيموا الصلاة يؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة) وما من آية في القرآن تذكر الصلاة إلا مقترنة بالزكاة، لما بينهما من التلازم العظيم فهما ركنان من أركان الإسلام كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( بني الإسلام على خمس شهادة ألا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت لم استطاع إليه سبيلاً)، وإذا كان الإسلام يأمر بإيتاء الزكاة طاعة لله ورسوله صلى الله عليه وسلم فإن الإسلام يحرم منع الزكاة والبخل بها، فقال عز وجل ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب أليم يوم يحمى عليها في نار جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم وظهورهم هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون).
وكان من هدي النبي صلى الله عليه وسلم تعليم الناس أهمية الزكاة ونصابها ومقدارها ومصرفها وأنزل الله عز وجل قوله: ( إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها والمؤلفة قلوبهم وفي الرقاب والغارمين وفي سبيل الله وابن السبيل فريضة من الله والله عليم حكيم).
أيها المسلمون: وكذلك من انواع القربات والأعمال الصالحة أن يوقف المسلم الموسر شيئاً من ماله في الصدقات الجارية، يستمر نفعها له في دنياه وآخرته كما قال النبي صلى الله عليه وسلم ( إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعوا له) رواه مسلم، الصدقة الجارية أن يوقف المسلم والمسلمة شيئاً من المال في صدقة يستمر عطاؤها ونفعها، وبالتالي يستمر الأجر وتتضاعف الحسنات، ويستمر لهم الأجر والثواب عند الله عز وجل.