خطبة مكتوبة: القرآن هدى للناس وبينات

الحمد لله…

أيها الناس: يقول الله تعالى: (شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان) أنزل الله القرآن جملة واحدة في شهر رمضان في ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر، ثم تنزل سوراً وآيات على نبينا صلى الله عليه وسلم في العهد المكي والعهد المدني في ثلاث وعشرين سنة، قال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً * وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً ).

ذلكم الكتاب الكريم الذي لا تكلُّ الألْسنةُ المؤمنة من تلاوته، ولا تملُّ الأسماع المؤمنة من حلاوته ولذَّته، ولا يشبع العلماءُ من تدبُّره، ولا يستطيع أيُّ مخلوق أن يأتيَ بمثله؛ بل لا يستطيع كل الخلق وهم مجتمعون على أن يأتوا بمثله قال تعالى: ( قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً) : ( ومن أصدق من الله حديثاً  ومن أصدق من الله قيلاً) ( وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً لا مبدل لكلماته) نعم لا مبدل لكلماته، تكفل الله بحفظه فقال: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) وقال تبارك وتعالى: (وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ * لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) وقال تعالى: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً)  ( وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُواْ لَهُ وَأَنصِتُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) ( إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) لقد كان صيامُ رسولِ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – مُزْدانًا بقراءة القرآن، ذِكْرًا وتلاوةً وتدبُّرًا، فالقرآن سميرُه وأنيسُه، يُذاكره جبريل – عليه السلام – القرآن كلَّ ليلة، فيَقِف عند مواعظِه، ويتأمَّل أسرارَه وحِكمَه، عن ابن عبَّاس – رضي الله عنهما – قال: (كان رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أجودَ الناس بالخير، وكان أجود ما يكون في رمضانَ حين يَلْقاه جبريل فيُدارسه القرآن، وكان جبريل يَلْقاه كلَّ ليلة من رمضان، فيُدارِسُه القرآن، فَلَرسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أجودُ بالخير من الرِّيح المرسَلة) متفق عليه.

عباد الله إنه لا يليف بمسلم أن ينتهي القرآن إلى سمعه دون أن ينفذ إلى قلبه ولا يليق بالمسلم أن يبقى القرآن محبوساً في طرف لسانه حين يتلوه دون ان ينفذ إلى قلبه ولا يليق بالمسلم أن يبقى القرآن في يده أو الرف في البيت دون أن ينهل منه ويزداد به إيماناً وتقوى ويقيناً قال الله عز وجل: ( وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَـذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ * وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كَافِرُونَ) وقال تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ * الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ * أُوْلَـئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَّهُمْ دَرَجَاتٌ عِندَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ) وقال تعالى: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُّتَشَابِهاً مَّثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ).

إنّ العناية بالقرآن قراءة وحفظًا تعلُّمًا وتعليمًا، مدارسة ومذاكرة، تدبُّرًا وتفهُّمًا، عناية وتطبيقًا، دعمًا ومساندة، إن ذلك كله لمِن سمات الأخيار وعلامات الأبرار، وكلما ازدادت الأمة وازداد المسلمون تمسُّكًا بكتاب الله وعناية به ومحافظة عليه تعلُّمًا وتعليمًا، زادت فيهم الخيرية ونمى فيهم الفضل، وكثر فيهم الخير؛ روى البخاري في صحيحه عن عثمان بن عفان – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال: (خيركم من تعلَّم القرآن وعلَّمه) وعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : (َفَضْلُ كَلامِ اللهِ عَلَى سَائِرِ الْكَلامِ كَفَضْلِ اللهِ عَلَى خَلْقِهِ) رواه الدارمي والترمذي وهو حديث صحيح بطرقه.

الخيرية – عباد الله – والعظمة في الكلام مرتبطة بالقرآن؛ فكلما ازدادت الأمة تمسُّكًا بالقرآن قراءة وحفظًا، تلاوة وتدبُّرًا، عملاً وتطبيقًا، حكماً وقضاءً زاد الخير فيهم، ونمى الفضل، وعظم النُّبل بحسب تمسكهم بكتاب الله – جلّ وعلا، إن القرآن شفاءٌ ورحمةٌ، وطمأنينة وأمان، وهدى من الحيرة وسكينة من القلق، وراحة واستقرار من الحزن والنَّكد والوسوسة والاكتئاب؛ قال تعالى: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ * لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ غَفُورٌ شَكُورٌ) ومن عظمة القرآن أنه لابد للقرائ من آداب يتحلى بها فيجب على القارئ الإخلاصُ، وينبغي مراعاةُ الأدب مع القرآن، فينبغي أن يستحضرَ في نفسه أنه يناجي الله تعالى، ويقرأ على حال مَن يرى اللهَ سبحانه، فإنه إن لم يكن يراه، فإن الله تعالى يراه، وينبغي إذا أرادَ القراءة أن ينظِّف فاه بالسِّواك وغيره، ويستحبُّ أن يقرأ وهو على طهارةٍ ويستحبُّ أن تكون القراءة في مكان نظيفٍ مختار؛ ويستحب للقارئ في غير الصلاة أن يستقبلَ القبلة، ويجلس متخشعًا بسكينة ووقار، مطرقًا رأسه، فإن أراد الشروع في القراءة، استعاذ بالله من الشيطان الرجيمويقول: بسم الله الرحمن الرحيم” فإذا شرع في القراءةِ، فليكن شأنُه الخشوعَ والتدبر عند القراءة، وله ترديد الآية للتدبر، والبكاءُ حالَ القراءة وينبغي أن يرتِّل قراءته، قال تعالى: ﴿ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا ﴾، ويلزمه احترام القرآن وتعظيمه وتوقيرُه، والحذر من اللهو والمِزاح حال قراءة القرآن، قال تعالى: (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ ).

اللهم أصلحنا وأصلح بنا…