أيها الناس لقد جاءت شريعة الإسلام بتحقيق مصالح الأنام وكفلت جلب الخير والسعادة للعباد في الدين والدنيا ويوم المعاد، وضمنت هذه الشريعة الطاهرة للمتمسكين بها الأمن والسلام، وهذا أكبر دليل على شمول الشريعة الإسلامية لكل أمور الخلق، ذلك لأنها شريعة الله عز وجل، فلا ولم ولن يستطيع الخلق مجتمعين أن يأتوا بمثلها أبداً، قال تتعالى: ( قل لإن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً ).
ولقد قامت هذه الشريعة الغراء على خمس أساسيات وضروريات هي مدار الرحى لكل قوانين العدالة والإنصاف، وجمال الأخلاق والأوصاف وثوابت التسليم بلا خلاف.
الضرورة الأولى : حفظ الدين الإسلامي وتحريم كل ما يخالفه من طرق الكفر والضلال، والانحراف والانحلال، قال تعالى في مقام التأكيد: ( إن الدين عند الله الإسلام )، وقال في مقام التهديد والوعيد: ( ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)، وقال في مقام الوصية والترشيد: ( ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون) ، وقال في مقام الامتنان بالأمر الحميد: ( اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً)، وقال في مقام التأريخ التليد: ( هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم هو سماكم المسلمين من قبل )، وكلمة هو: تعود إلى الله عز وجل، الله سماكم مسلمين يا أمة القرآن، ويا أتباع رسول الله خاتم النبيين، عليه الصلاة والسلام، ولا يقبل منكم ديناً غير الإسلام.
الضرورة الثانية: ضرورة حفظ العقل، فالعقل نعمة عظيمة فهو محل الخطاب ومقام السؤال والجواب، ولضرورة حفظ العقل حرم الله كل ما يؤذي العقل من الأمور المكتسبة، فحرم الخمر والمخدرات وكل المسكرات، وكل ما كان وسيلة لمحرم فهو محرم، فإذا كان شرب الخمر محرماً فصناعته محرمة وبيعه وشراؤه وتخزينه ونقله للاتجار به كل ذلك محرم، وهكذا القول في كل أنواع الهروين والأفيون والمخدرات والمسكرات المحرمة.
الضرورة الثالثة: ضرورة حفظ النفس، فنفس المسلم لها حرمة ومكانة أكرم وأعظم من حرمة الكعبة المشرفة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم وقد نظر إلى الكعبة، (ما أعظمك وأعظم حرمتك إلا أن المؤمن أعظم حرمة منك) وهو حديث صحيح بطرقه رواه البيهقي وغيره عن ابن عمر رضي الله عنهما، ولضرورة حفظ النفس حرم الله كل ما يؤذي النفس بغير حق، كما هو متواتر في نصوص الشرع الكريم، وفي الحديث المتفق عليه ( المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده) وفي الصحيحين أيضاً ( سباب المسلم فسوق وقتاله كفر)، وقال صلى الله عليه وسلم: ( لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة).
الضرورة الرابعة : ضرورة حفظ المال، ولذلك حرم الله السرقة وحرم النهب والسلب والسطو والإعتداء على أموال الآخرين وحرم الغش والخداع والتطفيف والربا، وحرم الإسراف بالمال والتضييع له، فعن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله كره لكم قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال) رواه البخاري، وعن حنيفة الرقاشي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيبة من نفسه ) رواه البيهقي بسند صحيح، ومن صور حفظ المال أداء زكاته واستخدامه فيما يحبه الله ويرضاه ومنع استخدامه فيما حرم الله.
اللهم اغفر لنا …
الخطبة الثانية.
الضرورة الخامسة: حفظ النسل، والمراد حفظ الأعراض وصونها وحمايتها، فقد حرم الله الزنا، بل حرم الاقتراب من الزنا، فقال: ( ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلاً) والنهي عن الاقتراب من الشيء أبلغ من النهي عن ذات الشيء، أي لا ترتكبوا أي وسيلة من شأنها أن تكون طريقاً إلى الزنا، وحين حج النبي صلى الله عليه وسلم حجة الوداع واجتمع شرف الحضور وشرف الزمان والمكان، في المجمع العظيم واليوم العظيم والمكان العظيم، قال صلى الله عليه وسلم ( إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا فليبلغ الشاهد الغائب).