أيها المسلمون: إن من جملة الظواهر السيئة التي تهدد حياة الفرد والمجتمع هي ظاهرة الإسراف والتبذير ، إنها ظاهرة سيئة إنها ظاهرة حرمها الإسلام، والإسراف هو تجاوز حدود تعاليم الشريعة الإسلامية وارتكاب ما حرمه الله جل وعلا، فممارسة الذنوب والمعاصي والإدمان عليها مع الغفلة عن التوبة واستمراء الفسوق والعصيان وجحود النعم هو الإسراف الذي يسبب العقوبة والنكال، وخراب الحال والمآل، فالله أخبر بأنه لا يحب المسرفين، ولنا أن نتأمل في شأن من لا يحبهم الله كيف تكون حياتهم مهددة حسبهم من الشر أنهم مبغوضون عند الله حسبهم من الشر أنهم حجب عنهم حب الله إلا من تاب وأناب يقول تعالى: (كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) وقال تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ إِنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ) وقال في شأن من أسرفوا بالشرك والطغيان والظلم والعدوان (وَأَنَّ المسرفين هم أصحاب النار)
إن الله إذا ذكر الإسراف يذكره من صفات الطغاة، فحين ذكر فرعون قال: (إِنَّهُ كَانَ عَالِياً مِّنَ الْمُسْرِفِينَ ) وحين ذكر التبذير قال : ( ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً) وحين ذكر العقوبة على أفعال سيئة قال: (وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ).
أيها المسلمون: إن من وقع في الإسراف على نفسه بالمعاصي بأنواعها فالإسلام لا يزال يدعوه للتوبة والإنابة والرجوع إلى الله تبارك وتعالى والتمسك بمنهج الشرع المطهر قال الله تعالى: ( قل يا عبادي الذين أسرفوا على انفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم ) لكنه قال بعدها ( وأنيبوا إلى ربكم وأسلموا له من قبل أن يأتيكم العذاب) فقال : (وأنيبوا) أي توبوا إلى الله ولا تستمروا في التمادي في الذنوب والغفلة عن الشكر الذي فيه حفظ النعمة، ولنا أن نتأمل في قول الله تعالى: (وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا) فالبطر هو الترف والإسراف والتبذير والغفلة عن الشكر لله ، وما أحسن ما قاله علماء اللغة العربية في انتصاب ( معيشتها ) قالوا معيشتها منصوب بحذف الخافض السببي، وتقدير سياق النص، استحقت الهلاك بسبب البطر وهو الإسراف والتبذير في معيشتها فحذف الخافض ( في ) فانتصبت كلمة معيشة الواقعة في سياق البطر وهو الإسراف والتبذير وذلك البطر كان سبباً لحصول الهلاك عياذاً بالله.
اعلموا أن الله حين وصف عباده الصالحين وصفهم بصفات حميدة ومنها قوله ( والذين إذا نفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواماً) إذا أنفقت على نفسك أو على أهلك أو على أسرتك أو غيرهم فتجنب الإسراف كما تتجنب الاقتار وهو البخل والشح، أو كن عدلاً كن وسطاً وفي الحديث ( إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غليه فعليكم بالحنيفية السمحة فإن الله لا يمل حتى تملوا وإن أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) رواه البخاري وغيره،
وفي الحديث الشريف ( سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة والقصد القصد تبلغوا) رواه البخاري وغيره، وقال صلى الله عليه وسلم: (كلوا وتصدَّقوا والْبسوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة)
ولقد جاء في هدي النبي صلى الله عليه وسلم وسيرته أنه يكفيه المد من الماء في الوضوء ويكفيه الصاع من الماء في الاغتسال والصاع لا يتجاوز الخمسة اللتر من الماء، فاقتدوا بنيكم صلى الله عليه وسلم واحذروا الإسراف في كل شيء،
فالإسراف مِن الأمراض الاجتماعية والأخطار الاقتصادية ، التي تُهدِّد الأمم والشعوب، بحياة الترف القائمة على التبذير والإسراف، وتكمن خطورتها، أن حياة التَّرف والبذَخ سبيل للفسوق والفساد، فكما أن الاعتدال وترشيد الإقتصاد سبيل البنا والإعمار فإن الإسراف والتبذير طريق الهلاك والدمار
وكما أن القصد والسداد والرشاد طريق السعادة فإن التبذير والإسراف طريق الخراب والنهاية والله جل وعلا يقول: ﴿ وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا ﴾
ولتهذيب النفوس وتربيتها أمَرَ الله عز وجل بالاقتصاد في الأمور كلِّها، ونهى عن الإسراف
والإسراف يُطلقُ على تجاوز الحدود الشرعية، الإنحراف عن طريق الشرع والوقوع في طاعة الهوى والشيطان
والإسراف مراتب قد يصل بصاحبه إلى الكفر عياذا بالله وقد يكون مجرد معصية فإنه بحسب ذلك الإسراف
ومن دعاء الصالحين الوارد في كتاب الله: ﴿ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ﴾
ومن التوجيهات النبوية، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كلوا وتصدَّقوا والْبسوا في غير إسرافٍ ولا مخيلة).
وقد حذّر النبي صلى الله عليه وسلم من الإسراف وأخبر أن الإنسان مسؤول عن النعيم، فحِفْظَ المال فيه حِفْظُ الدين والعِرْض والشرف، وقد قال الحكماء: مَن حَفظَ مالَه، فقد حَفظَ الأكْرَمَيْنِ؛ الدين، والعِرْض.
إنَّ الشريعة لم تحرِّم اكتسابَ الأموالِ ونماءَها والتزود منها، بل حثَّتْ على ذلك وبيَّنت الطرقَ المحرمة في الكَسْبِ والإنفاقِ.
ومن الإسراف، إهدار النعم في المعاصي والمنكرات ورمي الأطعمة والمأكولات في الزبالات والنفايات، فليس هذا من حفظِ المال، ولا مِنْ شُكْر الله تعالى على نعمته، فعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَّ اللَّهَ كَرِهَ لَكُمْ ثَلاَثًا قِيلَ وَقَالَ وَإِضَاعَةَ الْمَالِ وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ).
فحافظوا على النعم عباد الله واعلموا أن من المسلمين من هو بأمس الحاجة إلى لقمة تسد رمقة
قال عمر رضي الله عنه: الخرقُ في المعيشة أخوفُ عندي عليكم من العوزِ، لا يقلّ شيءٌ مع الإصلاح، ولا يبقى شيءٌ مع الفساد.
والْتَقَطَ أبو الدرداء رضي الله عنه حبًّا مَنْثُورًا في غرْفةٍ له، وقال: إن مِن فِقْه الرجلِ رِفْقَه في معيشته.
اللهم اغفر لنا…
الخطبة الثانية.
أيها الناس لقد استمرأ كثير من الناس الإسراف والتبذير فأورث ذلك سلوكاً محموماً تسبب في الفرقة بين الزوجين والنفرة بين الأسرة والشر والفساد في المجتمعات فاحذروا رحمكم الله من الإسراف أشد من حذركم من السم الزعاف فالإسراف داء عضال ومرض قتال، وسوء تدبير في الحاضر والمآل