إن أحوج ما يحتاجه الناس أن يلتزموا تقوى الله عز وجل في كل شئونهم، ذلك يا عباد الله لأن تقوى الله أساس قبول العمل، وما من مسلم لبيب إلا ويدرك أهمية قبول العمل، كما يدرك خطورة عدم قبول العمل، علينا أن نتأمل كيف تكون عاقبة من يعمل ثم لا يقبل منه!
قال تعالى: ( إنما يتقبل الله من المتقين) وسياق النص في حيز كلمة ( إنما ) يقتضي الحصر والتخصيص، وفيه إشارة إلا أن أي عمل يريد منه المسلم أن يكون مقبولا عند الله فعليه أن يقيمه على أساس تقوى الله تبارك وتعالى، ولذلك أوصى الله عباده الأولين والآخرين بالتقوى فقال: ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله) وهذه الوصية من الله لخلقه دليل على علو مكانة التقوى، وقد أوصى النبي أمته، فقال: ( أوصيكم بتقوى الله) حديث صحيح رواه أحمد وغيره عن العرباض بن سارية رضي الله عنه.
إن السلم حين يستمسك بتقوى الله في سره وعلانيته، وفي كل أقواله وأفعاله فإنه ينتصر على تلبيسات وحيل وخداع ومكر الشيطان الرجيم، قال تعالى: ( إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) فالتقوى نور ساطع في الطريق وبرهان قاطع في قبول العمل، وحجة واسعة في معرفة الحق من الباطل ومعرفة السنة من البدعة والخير من الشر والتمييز بين الخبيث والطيب، قال تعالى: ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) ( اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم).
إن الله أخبر عباده بأنه خلق الجنة للمتقين، فقال : ( وسارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين) وأخبر سبحانه أن المتقين يتبوؤن أعلا الرتب وأسمى المنازل فقال: ( إن المتقين في جنات ونهر في مقعد صدق عند مليك مقتدر).
إن تقوى الله عز وجل تجمع جميع الصفات الحسنة وتنفي جميع الصفات السيئة، فهي تشمل حتى صمت المسلم وكلامه، ففي صمته تقوى حين يصمت عن الكلام السيء وفي كلامه تقوى حين يكون كلامه طيباً، كذلك القول في الأفعال فالفعل النافع هو القائم على التقوى لله وحين يتمرد الفعل على تقوى الله يكون ضاراً.
ما هي التقوى وكيف يؤديها المسلمون؟ لنا أن نعرف الإجابة من قول النبي صلى الله عليه وسلم ( اتق الله حيثما كنت) كما ورد في الحديث الصحيح عن أبي ذر ومعاذ بن جبل رضي الله عنهما رواه أحمد وأبوداود والترمذي وغيرهم، فهذا أمر من رسول الله صلى الله عليه وسلم بتقوى الله عز وجل، يوجهه لكل مسلم ومسلمة، وتقوى الله تعني الصدق والإخلاص في عبادته ومراقبته والخوف منه، وتصديق خبره، وأداء أمره، وامتثال اجتناب زجره، واتباع نبيه صلى الله عليه وسلم، وتعني استقامة الأخلاق على المنهج السديد الرشيد، فهي تعني صلاح الباطن وصلاح الظاهر.
فقوله “حيثما كنت”، عبارة تشمل حيثية خمسة أمور تأتي على مناحي الحياة البشرية كلها.
– : حيثية الزمان، والمعنى اتق الله حيثما كنت في أي زمان، أي في أي ساعة من اليوم، وفي أي يوم من الأسبوع وفي أشهر من السنة وفي أي سنة من العمر، سواء كنت في رمضان أم في شوال أم شعبان أو في أي وقت كنت، في يوم جمعة أم سبت أم خميس، كنت في الليل أم في النهار، سواء كنت في ساعة صلاة أم في غير وقت الصلاة.
-: حيثية المكان، والمعنى: اتق الله حيثما كنت في أي مكان، سواء كنت في المسجد أم في بيتك أم في السوق، كنت في الشارع أم في العمل، سواء كنت في الخلوة أم في الجلوة، في مكان خفي أم ظاهر، في سر أم علانية، كنت في حل أم ترحال، في حضر أم في سفر، سواء كنت في البر أم في البحر أم في الجو.
-: حيثية الحال، والمعنى: اتق الله حيثما كنت في أي حال، سواء كنت فقيراً فكن صابراً أم غنياً فكن شاكراً، سواء كنت في حال رضا أم في حال غضب، فالمؤمن إذا رضي لا يخرجه رضاه عن الحق وإذا غضب لا يوقعه غضبه في الباطل، وسواء كنت في بأساء وضراء أم في نعماء وسراء، سواء كنت في مرض أم صحة، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم ( عجباً لأمر المؤمن إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له) رواه مسلم في صحيحه عن أبي يحيى صهيب بن سنان رضي الله عنه.
-: حيثية الوصف، والمعنى اتق الله حيثما كنت في الوصف الذي خلقك الله عليه، ومن هنا نفهم أن التوجيه عام للرجال والنساء، أي اتق الله وقم بدورك الذي أنيط بك حيثما كنت في أي جنس بشري وبأي قامة وبأي لون وبأي لغة.
-: حيثية المقام، والمعنى اتق الله حيثما كنت في أي مقام، سواء كنت ملكا أم رئيسا أم حاكما أم محكوما، وسواء كنت مستفتيا أم قاضيا أم مفتيا أم داعيا أم تاجرا أم طبيبا أم ممرضا أم مدرسا ومعلما أم متعلما أم إعلاميا أم صحفيا، أم تاجراً ، أم أي موقع كنت فيه …. الخ.
اللهم آت نفوسنا تقواها وزكها أنت خير من زكاها، اللهم إنا نسألك الهدى والتقى والعفاف والغنى.