ما قولكم يا علماء اليمن فيما يحدث في سوريا؟

السؤال: الحمد لله والصلاة والسلام على أشرف خلق الله محمد وعلى آله وصحبه ومن والاه وبعد: سعادة المشايخ العلماء الأفاضل القائمين على خدمة الدين والذود عنه في منبر علماء اليمن السلام عليكم ورحمة الله وبركاته: لا يخفى عليكم ما يحدث في بلد الإسلام سوريا من قتل وتشريد وتجويع وتهجير وتذليل لغير الله!

نحن تابعنا الفتوى التي أصدرت من قبل الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بالانتفاضة على الظلم والذل في سوريا، والتي كان لها وقع في نفوس شباب الجهاد في سوريا، بل والأمة في كل العالم الإسلامي. وما يحدث الآن في سوريا حسب وجهة نظري يحتاج إلى بحث ودراسة متأنية، وذلك للوصول إلى الحق الذي يرضي الله تعالى.

كل يوم نستقبل خبراً مقلقاً مفجعاً بموت200 أو100 أو 300 مسلم، الكثير منهم نساء وأطفال وشيوخ وأبرياء! وبمعدل 100 قتيل يومياً تقريباً منذ بداية الثورة السورية 15/ مارس 2011م. أي أن عدد القتلى في أسبوع واحد من المسلمين في سوريا يفوق من قتل واستشهد من المسلين في كل غزوات النبي وسراياه الذي لا يتجاوز 400 قتيل تقريباً كأقصى حد متصور!

لا يخفى عليكم ما قام به القائد البطل -خالد بن الوليد- رضي الله عنه، عندما انسحب من غزوة مؤتة، وهو يقاتل 200 ألف مقاتل من نصارى الروم، ليحقن دماء المسلمين الذين لم يقتل منهم سوى 12 رجلاً! ومع ذلك أيده النبي صلى الله عليه وسلم، واصفاً إياه بالكرار. عَنْ ابْنِ عُمَرَ -رضي الله عنهما- قَالَ: نظَرَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم-يَوْمًا إِلَى الْكَعْبَةِ، فَقَالَ:(مَا أَعْظَمَكِ! وَأَعْظَمَ حُرْمَتَكِ! وَالْمُؤْمِنُ أَعْظَمُ حُرْمَةً عِنْدَ اللَّهِ مِنْكِ)..بل الدنيا بأسرها لا تداني العبد المؤمن شرفاً، فعن عبد الله بن عمرو -رضي الله عنهما- أنّ النبيّ -صلى الله عليه وسلم- قال:(لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم)رواه مسلم.

قلة الخسائر تشير إلى أن هناك مبادئ مقدسة كان يخضع لها الجيش، وقانوناً عاماً يحكمها يلخصه الغزالي بقوله: «إن مقصود الشرع تقليل القتل، كما يقصد حسم سبيله عند الإمكان، فإن لم نقدر على الحسم قدرنا على التقليل.»

مشايخي الأفاضل، ما يحدث الآن في سوريا حسب وجهة نظري يحتاج إلى وقفة منكم لحقن الدماء وحماية الأعراض والأموال ودرء الفتنة، من خلال إصدار فتوى تدعو لاستمرار الجهاد أو تلزم المجاهدين في سوريا بالحوار مع النظام السوري. لست مفتياً لكني مسلم من سوريا أتألم لما يحدث في بلدي من هرج ومرج أدعو فيه الهيئات الشرعية في كافة أنحاء العالم الإسلامي، وعلى رأسهم منبر علماء اليمن للاجتماع والاجتهاد في إصدار فتوى جديدة، فإما مواصلة للجهاد وإما حوار مع الأعداء.

أسأل ربي جلّ وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يهدينا إلى سواء السبيل، وأن يحقن دماء المسلمين، وأن يجعل بلدتنا آمنة مطمئنّة وسائر بلاد المسلمين، وأن يهيّئ لنا من أمره رشداً، ويجعل معونته العظمى لنا سنداً…إنّه بكلّ جميل كفيل، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الجواب:

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:

مرحباً بك أخانا السائل، ولقد أسعدنا أسلوب سؤالك، فقد أفدت وأجدت في طرح السؤال بالصيغة المذكورة، وكم أسعدني توجهك إلى أهل العلم والفضل في مثل هذه المسائل المفصلية والمصيرية، ولعلك في هذا السؤال الفقهي توجهت به إلى علماء اليمن استئناساً منك بقول المصطفى صلى الله عليه وسلم ( ..الفقه يمان والحكمة يمانية)، صحيح البخاري – كتاب المغازي باب قدوم الأشعريين وأهل اليمن – حديث:‏4138‏ وصحيح مسلم  – كتاب الإيمان باب تفاضل أهل الإيمان فيه  – حديث:‏ 98‏ عن أبي هريرة رضي الله عنه.

لا شك -أخي الكريم- أنه ما من عالم من العلماء بل ولا مسلم له ضمير حي إلا وهو يتحسر  ويتألم مما أصاب المسلمين في سوريا وغيرها من صنوف القتل والتنكيل والقهر والتهجير.

بهذه المناسبة، وقد أحيل السؤال إلي من منبر علماء اليمن، لا يفوتني أن أذكر نفسي وكافة القراء الكرام أن المعاصي والسيئات لها الدور الأبرز فيما حل ويحل بالشعوب الإسلامية، بسبب ظلم الظالمين وفساد المجرمين، وإذا لبس المفسدون للمعاصي لبوسها وجاهروا بها وحاربوا شرع الله، وحكموا بغير ما أنزل الله نزل بهم العذاب والنكال، وأتى على الظالمين وغير الظالمين، وعم الفاسدين وغيرهم، كما دلت على ذلك نصوص كثيرة، ومنها قول الله تعالى: ( وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) سورة الأنفال آية 25

أقول: -أخي الكريم- بارك الله فيك، بخصوص ما ذكرت في سؤالك عن وجود مخرج، لا شك أن تقدير الأمور ووزنها في مسألة بهذا الحجم يحسمها الذين هم في ميدان المعركة، فهم الذين لديهم تقدير لأعلى المصالح وأدنى المفاسد، لأنهم حاضرون في الميدان، ويملكون تقدير الأمور عن قرب ومشاهدة بالعيان، ووجود بالأرواح والأبدان، وهم الآن الذين يملكون القرار بالعمل وباللسان والبيان، وخصوصاً أنهم قد دخلوا في مرحلة المدافعة عن النفس والعرض، فلا توجد عندهم فرصة في هذه المرحلة إلا تحقيق النصر.

من الناحية الشرعية الفقهية السياسية الحكيمة لا بد أن تكون لهم مبادرات على جميع الأصعدة التي يرونها تصب في صالح الإسلام والمسلمين، سواء كانت في مواصلة القتال والدفاع عن النفس والعرض والمال إلى غاية الإطاحة بالظالمين، كما ذكرت في سؤالك عن فتوى العلماء، أو كانت في الحوار والتفاوض والذي يضعون له الشروط التي يرونها أيضاً مهمة في تحقيق الأمن والاستقرار للمسلمين، كما هو معروف عند أهل العلم أيضاً……وبالله التوفيق.