رأيت مسلماً يغسل يديه خوفاً من الفيروسات فأرشدته للوضوء

 السؤال : انتشرت عبارة محتواها حين تغسل يديك خوفاً من فيروس كورونا أكمل الوضوء خوفاً من الله، ما قولكم في هكذا عبارات ومواعظ ونصائح؟

الجواب

الدعوة إلى الله عز وجل لها عدة أساليب وطرق كلها شرعية لتحقيق الدعوة إلى الله تبارك وتعالى، والتوجيه بإحسان النيات واستغلال الفرص لجمال المقاصد من براعة الدعوة الناجحة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يتخذ عدة أساليب في دعوته إلى الله عز وجل، من تلك الأساليب ما يلي:

أسلوب الدعوة الجماعية وأسلوب الدعوة الفردية وأسلوب الخطاب وأسلوب السؤال والجواب وأسلوب الدعوة السرية وأسلوب الدعوة الجهرية، وأسلوب الترغيب وأسلوب الترهيب وأسلوب الرسم والتخطيط، وأسلوب الافتراض بوجود الشيء وأسلوب ضرب الأمثال وأسلوب القصص وأسلوب ذكر نبأ الماضي وأسلوب دلالات الواقع وأسلوب التوقع وغير ذلك من الأساليب التي هي موجودة في القرآن الكريم والسنة النبوية، ومبثوثة في كلام الفقهاء رحمهم الله تعالى.

التوجيه والوعظ والنصح بحسن النية توجيه شرعي وهو مقتضى قوله تعالى: ( ليبلوكم أيكم أحسن عملاً) أي يختبركم ليعلم أيكم أخلص وأصوب وأنصح وأصدق عملاً، وورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( إنما الأعمال بالنيات ) رواه البخاري ومسلم، وعن أَبي هُريرَةَ رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم: (إِنَّما يُبْعَثُ النَّاسُ على نِيَّاتِهم) رواه ابن ماجه في سننه كتاب الزهد (4219)، وصحَّحه الألباني.

وعن أبي هرية رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( … إنَّمَا بُعِثْتُم مُيَسِّرينَ ولَم تُبعَثُوا مُعَسِّرِينَ) رواه البخاري وغيره.

قال الحافظ ابن رجب في كتابه جامع العلوم والحكم في شرح حديث عمر رضي الله عنه: “وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ: (وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) إِخْبَارٌ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ مِنْ عَمَلِهِ إِلَّا مَا نَوَاهُ بِهِ، فَإِنْ نَوَى خَيْرًا حَصَلَ لَهُ خَيْرٌ. انتهى.

الوعظ والتوجيه والتذكير ولفت الانتباه بإصلاح النيات مطلب شرعي باتفاق الفقهاء يأتي في التنبيه على تحويل النية لعمل صالح وهو أسلوب دعوي بليغ وفيه استغلال الفرص في طاعة الله عز وجل وتعجيل البيان في وقت الحاجة كما هو مقرر في قواعد الفقه عند الفقهاء رحمهم الله، وله أمثلة كثيرة، فلو أن امرأة قالت لصاحبتها المفرطة في الحجاب وتحرص على ارتداء الواقيات والكمامات خوفاً من فايروس كورونا فقالت لها مذكرة وواعظة اتخذي الحرص على الواقيات والكمامات وسيلة تذكير لأهمية الحجاب ولفتت انتباها بذلك لكانت حولت نيتها دعوياً إلى عبادة صالحة وهو باب من أبواب الفرص في شد الانتباه وتصحيح المقاصد.

كذلك القول في النصح للمرتادين لأماكن الفساد والفحش حين يتركونها خوفاً من الأمراض ستم نصحهم بالاستمرار على ترك تلك المنكرات خوفاً من الله تبارك وتعالى كما جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه تبارك وتعالى: ( ذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل ، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها ، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم يعملها ، فإذا عملها فأنا أكتبها له بمثلها ، وقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قالت الملائكة : رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة وهو أبصر به ، فقال : ارقبوه ، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها ، وإن تركها فاكتبوها له حسنة ، فإنما تركها من جرَّاي ) تركها من جرائي أي خوفاً من الله تعالى، متفق عليه واللفظ لمسلم.

هنا نقول لمن يحرصون على غسل أيديهم خوفاً من الفيروس اتخذوا ذلك بنية صالحة تذكيراً لهم بأهمية التوبة والطهارة ومنها الوضوء وفي الآية قال تعالى: ( إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين ) وفي الحديث عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن من أفضل أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) رواه أحمد وابن ماجه بسند صحيح.

كذلك الذي يحرص على العلاج بالحمية خوفاً من مرض التخمة نحثه ونحبب إليه صيام النوافل بحيث يؤجر بتحويل نيته من مجرد علاج إلى عبادة، فرب عمل قليل تكثره النية ورب عمل كثير تقلله النية.

علماً أن الفقيه يدرك أن بعض الأساليب لا تصلح لتكون في مكان الأساليب الأخرى فمثلاً أسلوب الخطب في منبر الجمعة لا يصلح أن يستعمل فيه أسلوب الدعوة السرية لأن المقام مقام جهر وهكذا أسلوب الدعوة للفرد لا يصلح أن تلقى عليه أمام ملأ من الناس في كثير من الحالات الدعوة، ولذلك أمثلة كثيرة يدركها العالم الراسخ والفقيه العارف.

( عيسى يحيى معافا)

  موقع لمن اهتدى