خطبة مكتوبة: كلا والله لا يخزيك الله أبداً

الحمد لله …

أيها الناس: لقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يذهب إلى غار حراء في جبل النور ويبتعد عن كفار قريش في مكة وأوثانهم وشركياتهم إبان وجود الأصنام والأوثان بها فكان يأخذ معه الزاد ليتزود به الليالي ذوات العدد ويخرج من بيته ويحب الخلوة في غار حراء ويعبد الله عز وجل، فبينما هو كذلك إذ رأى جبريل عليه السلام ولأول مرة، ففزع وارتجف فؤاده، وانطلق مسرعاً إلى زوجته خديجة بنت خويلد أم المؤمنين رضي الله عنها، ويقول زملوني زملوني، ولما كانت خديجة رضي الله عنها تَعْلَمُ منه أنَّهُ الصادِق البار، قال لها لما جاءه الوَحْي: إنَّي قد خشيت على نفْسي، فقالتْ: كلاَّ، والله لا يخزيك الله أبَداً، إنَّك لتصل الرَّحِم، وتصْدُق الحديث، وتحْمل الكلّ، وتَقْري الضَّيْف، وتكسب المعدوم، وتؤوي الضعيف وتُعينُ على نوائب الحق، وذلك قبل نزول القرآن، فمِن أيِّ شيءٍ انْطَلَقَتْ؟ إنها قالت ذلك بدافع الفطرة والرؤية والواقع المشاهد، فالعَبْدُ المسلم الذي يُتصف بهذه الصفات العظيمة والخلال الحسنة والأخلاق العالية فإنه أهل للحماية من عند الله ولا يُخْزيه الله أبَداً؛ فهو أهل لأن ينصره الله ويحمية ويدافع عنه.

هذه الأمور تشهد بها الفطْرة السليمة والرؤية المستقيمة، فإذا كان الواحد المسلم مستقيماً ووقَّافًا عند حُدود الله، ويتصف بهذه الصفات؛ فإنه موعود بالحسنى وهذا وَعْدُ الله عز وجل، فلن يخزيه الله أبداً، فخديجة رضي الله عنها وقع في روعها وفِطْرَتَها أنّ هذا الإنسان الواثق بالله والموحد لله ويَصِل الرَّحِم، ويصْدُق الحديث، ويحْمل الكلّ، ويَقْري الضَّيْف، ويؤوي الضعيف ويكسب المعدوم، ويُعينُ على نوائب الحق؛ لا يُخْزيهِ الإله الذي في السماء أبَداً، وهذا الكلام سارٍ مفعولُه إلى الأبَد، وفي كُلِّ عصْر، وفي كلّ زمان، وإقليم، وفي كل قرية، ومدينة، وحيٍّ، وفي ِأيّ مجتمع، ومن عهْد آدم عليه السلام إلى يوم القيامة.

المسلم والمسلمة متى كانَ مُحْسِنًا ومُتواضِعاً فلا يُخْزيه الله أبَداً، وانْظُروا إلى التاريخ فقد بيَّن ما حصل للمؤمنين، من حسن حسن الحياة وحسن العاقبة، ومن أتى بعدهم من المسلين قد ذلت ألسنتهم للدعاء لهم والترحم عليهم، ومن كان مع الله كان بعين الله التي ترعاه، (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا وسبح بحمد ربك حين تقوم ومن الليل فسبحه وإدبار النجوم).

معنى قولها كَلَّا، فَوَاللهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ أَبَدًا؛ إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وتصدُق الْحَدِيثَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ (أي: تنفق على الضعيف، واليتيم والعيال، والكَلُّ أصله: الثقل والإعياء)، وتكسب المعدوم، وَتُقْرِي الضَّيْفَ (أَيْ: تُكْرِمُهُ)، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبَ الحق، أي تنصر الحق وإن حلت بقوم كوارث وحوادث وقفت لتنصرهم وتساعدهم.

وقد وصف رجل من المشركين يقال له ابْنُ الدَّغِنَةِ بهذه الصفات لأبي بكر الصديق رضي الله عنه، حين خرج مهاجراً نحو أرض الحبشة ليلحق بمن سبقه إليها من المسلمين، فلقيه هذا الرجل فقال له: أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: أَخْرَجَنِي قَوْمِي، قَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ: إِنَّ مِثْلَكَ لاَ يَخْرُجُ وَلاَ يُخْرَجُ، فَإِنَّكَ تَكْسِبُ المَعْدُومَ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَحْمِلُ الكَلَّ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، وَأَنَا لَكَ جَارٌ، فَارْجِعْ فَاعْبُدْ رَبَّكَ وَرَجَعَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ، فَطَافَ فِي أَشْرَافِ كُفَّارِ قُرَيْشٍ، فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ لاَ يَخْرُجُ مِثْلُهُ وَلاَ يُخْرَجُ، أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ المَعْدُومَ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ، وَيَحْمِلُ الكَلَّ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الحَقِّ، فَأَنْفَذَتْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ، وَأمَنُوا أَبَا بَكْرٍ، فابن الدغنة هذا قال ذلك من إملاء الفطرة والنظر للواقع فمن اتصف من المسلمين والمسلمات بصلة الرحم وصدق الحديث ونصر المظلوم وإيواء الضعيف وإكرام الضيف وكسب المعدوم أي الإتيان بالأشياء التي لم تكن متوفرة كثيراً أو إكساب المعدوم بمعنى إعطاء من لا يجد الشيء أو كان عادماً للشيء فتوفر له، وحمل الكل معناه الجلد والصبر على إقامة الحق ونشره والرحمة للناس مهما كانت المعوقات، فمن كان كذلك من المسلمين لا يخزيه الله أبداً، سواء كان أميراً أو حكومة أو شعباً، أو أياً كان منصبه، وأياً كان حضوره في مناحي الحياة، فهي صفات حميدة جعلها الله حصناً وسياجاً وحماية للمسلمين والمسلمات المتمسكين بها في أنسهم والقائمين بها في تعاملهم مع الآخرين.

اللهم اغفر لنا…

الخطبة الثانية.

أيها المسلمون: إذا علمنا أن هذه الصفات الجميلة والجليلة تؤهل أصحابها للسعادة والعزة والنصر فإن هدمها والاتصاف بأضدادها من كذب الحديث سواء بالألسن أو في الإعلام أو الصحافة، وكذا قطع الأرحام وإعانة الظالمين وترك نصر المظلومين والسعي بالفساد والإفساد والاتصاف بالصفات القبيحة والمضادة للصفات الجميلة فإن ذلك نذير عقاب وعلامة على الهزائم والعذاب عياذاً بالله.

اللهم اجمع كلمة المسلمين وأصلح ذات بينهم واهدهم سبل السلام.