أيها المسلمون: لقد أنزل الله تبارك وتعالى كثيراً من الآيات القرآنية المتضمنة للبشائر الكثيرة للمؤمنين، بشائر في الدنيا بلزومهم العمل الصالح واجتنابهم للعمل السيء، وبشائر في الآخرة بفوزهم العظيم ( فمن زحزح عن النار وادخل الجنة فقد فاز) وقال تبارك وتعالى: ( وبشر المؤمنين).
ألا وإن من أعظم البشائر للمؤمنين في حياتهم الدنيا وبعد صيامهم وقيامهم في شهر رمضان المبارك وفرحتهم بعيد الفطر المبارك أن يبشروا بقبول أعمالهم التي تقربوا بها إلى ربهم في شهر رمضان، فما هي البشارة التي يستدل بها المؤمنون على قبول أعمالهم؟ إنها الاستقامة والثبات والاستمرار في التمسك بالعمل الصالح واجتناب العمل السيء، الاندفاع للعمل الطيب واجتناب العمل الخبيث، فالاستقامة في ذلك بشارة ودلالة وبرهان على قبول العمل، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلاً مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ * وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ )، وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ )، نعم يقال لهم ( وأبشروا بالجنة)، وفي الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر ان الله تبارك وتعالى يقول لأهل الجنة ( إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا ابداً وإن لكم أن تشبعوا فلا تجوعوا أبداً وإن لكم أن تنعموا فلا تبأسوا أبداً وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً).
كذلك من الأدلة التي تدل على حصول البشارة في الدنيا والآخرة قوله تعالى: (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ * الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ * لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ )، فقال: ( لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة)، البشرى في الحياة الدنيا هي كرامتهم بالهداية والتوفيق لما يحبه الله ويرضاه، حبهم للعمل الصالح وحرصهم على أدائه وكرههم للعمل السيء وحرصهم على اجتنابه، فالله عز وجل يقول: (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَ يَبُورُ).
ألا واعلموا عباد الله أن السيئات خطيرة على عمل السلم، فكما أن الحسنات يذهبن السيئات فكذلك السيئات إذا اجتمعن وكثرن فإن كثيراً منهن يغلبن الحسنات ويمحقن البركات ويحجبن الخيرات عياذا بالله، ألا وإن من الأعمال الخبيثة الهدامة التي تهدم العمل وتمحق البركة وتحجب الخير وتحلق الدين الخصومات بين المسلمين والقطيعة وفساد ذات البين، فعن أبى هريرة-رضي الله عنه-عن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: (والذي نفسي بيده لا تدخلوا الجنة حتى تسلموا ولا تسلموا حتى تحابوا، أفشوا السلام تحابوا، وإياكم والبغضة فهي الحالقة، لا أقول لكم تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين) رواه البخاري في الأدب المفرد بسند صحيح.
وعند الترمذي:(إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة) قال أبو عيسى هذا حديث صحيح ومعنى قوله: “وسوء ذات البين” إنما يعني العداوة والبغضاء، وقوله الحالقة يقول:” إنها تحلق الدين) و عن أبي الدرداء-رضي الله عنه-قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-: (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام، والصلاة، والصدقة؟. قالوا: بلى. قال: صلاح ذات البين فإن فساد ذات البين هي الحالقة) رواه الترمذ أيضاً. ومما يدل على أن الخصومة وفساد ذات البين تحجب الخير ما رواه البخاري بسنده عن عُبَادَة بْنُ الصَّامِتِ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلاحَى رَجُلانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ، ( أي اختصما وتنازعا) فَقَالَ: “إِنِّي خَرَجْتُ لأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَإِنَّهُ تَلاحَى فُلانٌ وَفُلانٌ فَرُفِعَتْ) نعم بل إن التنازع بين المسلمين سبب للفشل وشر الهزيمة قال تعالى: ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)
اللهم ربنا لا تزغ قلوبنا بعد غذ هديتنا وهب لنا من لدنك رحمة إنك انت الوهاب.