أيها المسلمون: إن الله عز وجل خلق الناس ورغبهم في الإقبال عليه، وحسن الظن به، فإنه هو الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله كتب كتابا قبل أن يخلق الخلق: إن رحمتي سبقت غضبي). وهو تعالى القوي الذي لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، والكريم الذي لا يفقره عطاء، ولا ينقص ملكه جود، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :(يد الله ملأى لا تغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار) أي: لا ينقصها ما يصب من الرزق على عباده في الليل والنهار. وقال صلى الله عليه وسلم: ( أرأيتم ما أنفق منذ خلق السماء والأرض، فإنه لم يغض -أي لم ينقص- ما في يده). فهو سبحانه الغني الرحيم، القوي المتين، وفي الصحيحين أيضا عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( إن الله خلق مائة رحمة فأنزل رحمة واحدة بها يتراحم العباد حتى غن الدابة لترفع حافرها عن وليدها رحمة به وادخر تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة).
أيها المسلمون: إن حسن الظن بالله تعالى من أسس الإيمان، الذي نتعلمه من سيرة الأنبياء والمرسلين عليهم السلام، فنبي الله إبراهيم عليه السلام قال وهو خارج من بلده :( إني ذاهب إلى ربي سيهدين). فظن عليه السلام بربه أحسن الظن؛ أنه سبحانه سييسر له أمره، ويهدي له قلبه، فكان له ما أراد.
وعندما وصل نبي الله موسى عليه السلام وقومه إلى ساحل البحر، وأدركهم فرعون، ونظر كل فريق إلى الآخر، وخاف أصحاب موسى وقالوا:( إنا لمدركون). قال موسى عليه السلام بكل ثقة وإيمان وبكل عزم وحسن ظن بربه تبارك وتعالى:( كلا إن معي ربي سيهدين). فأحسن الظن بأن الله عز وجل سينجيه، ويفرج كربه، وكانت النتيجة هي النجاة، قال تعالى: ( وأنجينا موسى ومن معه أجمعين).
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة، فقد كان يذكر من حوله بحسن الظن بالله تعالى، فحين قال له أبو بكر الصديق رضي الله عنه وهما في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا. فقال صلى الله عليه وسلم له: ( يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما). :(فأنزل الله سكينته عليه وأيده بجنود لم تروها).
وقال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: ما أعطي عبد مؤمن من شيء أفضل من أن يحسن بالله ظنه, ولا يحسن عبد مؤمن بالله ظنه إلا أعطاه ذلك, فإن كل الخير بيده سبحانه.
وهذا سعيد بن جبير يدعو الله قائلا: اللهم إني أسألك صدق التوكل عليك وحسن الظن بك. فبحسن الظن تطمئن القلوب، وترتاح النفوس، ويأتي الخير، فهو باب من أبواب الخير مفتوح، وعطاء من الله ممنوح.
عباد الله:متى يكون حسن الظن بالله تعالى؟ إن الإنسان يحسن الظن بربه دائما، وفي كل حال، قال النبي صلى الله عليه وسلم : ( يقول الله تعالى: أنا عند ظن عبدي بي وأنا معه متى ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) متفق عليه.
ألا وإن من حسن ظننا بالله أن نوقن بالإجابة عند الدعاء، والقبول عند التوبة، والمغفرة عند الاستغفار، تمسكاً بصادق وعده عز وجل، فإنه عند ظن عبده به، فإن رجا رحمة الله وخيره فله ذلك، فمن ابتدأ عملاً، أو باشر أمراً، فليتفاءل بالخير ويحسن الظن بأن الله تعالى سيفتح له أبواب فضله، وينعم عليه من كرمه، فحسن الظن يكون في كل شيء لتكون النتيجة مبشرة بالخير من الله عز وجل.
في المواقف الصعبة تتجه القلوب إلى خالقها، الذي يعلم حالها، ولا يخفى عليه شيء من أمرها، وحسن الظن بأن الله سيفرج الكرب، قال سبحانه:( سيجعل الله بعد عسر يسراً). فلنتضرع إليه بالدعاء، وقلوبنا موقنة بأنه عز وجل سيستجيب الدعاء، ويقبل الرجاء، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( فإذا سألتم الله عز وجل، أيها الناس، فاسألوه وأنتم موقنون بالإجابة).
فليستبشر الإنسان بالخير، مقبلاً على ما ينفعه، وينفع مجتمعه بثقة وإيجابية، وهمة عالية، متفائلاً، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يعجبه الفأل الحسن، لأن حسن الظن من التفاؤل الذي يجعل الفرد قادراً على مواجهة مصاعب الحياة والتحديات، ويدفعه إلى تحسين أدائه في عمله، فيعيش في سعادة مع أسرته ومجتمعه، فهو دائما يحسن الظن بأن الخير فيما قدره الله تعالى له، وهذا يعزز الإيجابية في حياة الأفراد، فينفعوا أنفسهم وغيرهم.
اللهم أصلحنا وأصلح بنا…
الخطبة الثانبة.
الحمد لله الذي شرع لنا ديناً قويماً وهدانا إليه صراطاً مستقيماً وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً عبده ورسوله بين الله به الأحكام وأوضح به الحلال من الحرام، وأمره أن يدعو الناس إلى الأعمال الصالحة ويحذرهم من الفواحش والآثام، صلى الله عليه أزكى صلاة وأوفى سلام.
أيها المسلمون، إن أهم ما نتواصى به تقوى الله عز وجل، وحسن الظن به سبحانه، والأخذ بالأسباب وإتقان العمل، فإن حسن الظن يتطلب حسن العمل، وإن المؤمن إذا أحسن الظن بربه أحسن العمل، والإنسان يقبل على شؤون دنياه وآخرته فيجتهد فيها، ويحسن الظن بالله تعالى ويستبشر بالتوفيق والسداد.
فينبغي للمرء أن يجتهد في القيام بما عليه، موقنا بأن الله يقبله وأنه سيعينه، فهل نحسن الظن بالله تعالى بالمعنى الصحيح الذي يجمع بين الظن الحسن والعمل المتقن؟ وهل نغرس ذلك في قلوب بناتنا وأبنائنا؟
إن من شدة حرص النبي صلى الله عليه وسلم على أن الدعوة إلى حسن الظن بالله أن كان دائما يوصي بذلك ويحث على ذلك حتى عند مرضه الذي توفي فيه فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بثلاث ليال وهو يقول: ( لا يموتن أحدكم إلا وهو يحسن الظن بالله ) رواه مسلم نعم نعم وكم مقدار الطمأنينة والراحة والفرح حين نقرأ قول الله تبارك وتعالى: ( فما ظنكم برب العالمين)، إن المؤمنين يقولون ظننا بربنا العفو والمغفرة ومن لم يؤمنوا (يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية).