أيها الناس: لقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا خطب قرأ قول الله تعالى: ( يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً)، فهذه الآية مثال عظيم من دلالات العظمة في القرآن الكريم، ففيها أسلوب براعة الاستفتاح بقوله تعالى: يا أيها الناس اتقوا ربكم، وفيها أسلوب حسن السياق بأن الله خالق الخلق وفيها أسلوب شد الانتباه بأنه بث من الخلق رجالاً كثيراً ونساءً، وفيها أسلوب الإعادة بالأمر بالتقوى للاهتمام به، وأننا مسئولون، وفيها أسلوب الحياة الاجتماعية بالوصية بالأرحام وفيها أسلوب حسن الختام، بقوله ( إن الله كان عليكم رقيباً)، فهي خطبة عظيمة وهي آية واحدة، فلو استفتح قبلها بالحمد والثناء على الله بما هو أهله والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم والوصية بالتقوى والدعاء للمسلمين والمسلمات صارت خطبة مكتملة الأركان، بل عند التأمل والاستنباط نستخرج من هذه الآية عدة خطب، بل هي آية تصلح أن تكون لدراسات عليا كافية وبحوث وافية.
أيها المسلمون: علينا أن نتأمل في قوله ( إن الله كان عليكم رقيباً) قال سبحانه:( ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها). ومن أسماء الله الحسنى: الرقيب، وقد ورد في القرآن الكريم في مواضع؛ ومنها قوله عز وجل:( وكان الله على كل شيء رقيباً) أي: هو مراقب لجميع أعمالنا وأحوالنا في سرنا وجهرنا، وقال سبحانه:( أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون). فالله يسمع سرهم ونجواهم وهو الرقيب عليهم، وهو على كل شيء شهيد، فمن تكلم علم الله تعالى نطقه، ومن سكت علم الله عز وجل فكره، ومن أسر أحاط الله بسريرته، قال سبحانه:( ألم تر أن الله يعلم ما في السموات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم ولا خمسة إلا هو سادسهم ولا أدنى من ذلك ولا أكثر إلا هو معهم أين ما كانوا ثم ينبئهم بما عملوا يوم القيامة إن الله بكل شيء عليم). فبدأ الأية بأنه يعلم وختمها بأنه بكل شيء عليم، فالله تعالى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، قال عز وجل:( الله يعلم ما تحمل كل أنثى وما تغيض الأرحام وما تزداد وكل شيء عنده بمقدار* عالم الغيب والشهادة الكبير المتعال* سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار). أي: يعلم من كان مختفياً في الظلمات والأسرار، أو ظاهراً في بياض النهار، فإن الكل سواء في علم الله الواحد القهار.
وإن مراقبة الله تعالى مرتبة جليلة، وهي من أفضل الطاعات، وتعني أن نراقبه عز وجل في كل شيء وعلى كل حال، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعو الله سبحانه بقوله:( اللهم إني أسألك خشيتك في الغيب والشهادة)، أي أسألك مخافتك فيما لا تراه أعين العباد ويغيب عن أبصارهم، وهذا هو معنى الغيب، قال سبحانه وتعالى:( إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير* وأسروا قولكم أو اجهروا به إنه عليم بذات الصدور* ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير). وأسألك يا الله مراقبتك فيما يشاهده الخلق بأبصارهم، وهذا هو معنى الشهادة.
أيها المؤمنون: كيف نحقق مراقبة الله تعالى في حياتنا؟ إن مراقبة الله تعني أن يكون المرء على يقين بأن الله عز وجل مطلع عليه، قريب منه، يعلم باطنه وظاهره، وسره وعلانيته، قال أحد الصالحين: إذا عملت فاذكر نظر الله إليك، وإذا تكلمت فاذكر سمع الله منك، وإذا سكت فاذكر علم الله فيك، وقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن تفسير المراقبة التي تؤهل صاحبها لأن يكون من المحسنين فأجاب بجواب ماتع فقال : ( أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) .
فإذا استشعر الإنسان ذلك؛ حمله على إتقان عباداته، وبذل الجهد في إتمامها وإكمالها كما شرعها الله تعالى، فيرتقي إلى مرتبة الإحسان، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). وهكذا في سائر أعماله وسلوكه.
أيها الناس: في ظل ثورة المعلومات التكلنوجية إذا أراد أي نظام تأمين أي مكان فأنه يزرع فيه عدة كيمرات ويكتب المكان مراقب، فإذا بالناس يسعون بنظام ويمشون بأدب، فعلينا أن نتأمل أن الله أولى أن نراقبه وأحق أن نخشاه.
إن مراقبة الله سبحانه تحمي الإنسان من نزغات الشياطين، وهفوات النفوس، فتكتب له الحسنات، وترفع له الدرجات، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:( قالت الملائكة: رب ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة -وهو سبحانه وتعالى أعلم به- فيقول: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، إنما تركها من جرائي). أي إذا تركها خوفاً من الله. فتتزين بالحسنات صحيفة أعماله، وينعم بجنة ربه ورضوانه، فذلك جزاء من استشعر مراقبة الله سبحانه وخشيه واتقاه، قال عز وجل:( وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى* فإن الجنة هي المأوى). قال بعض العلماء في معناها: هو الرجل يهم بالمعصية فيذكر مقامه أما ربه للحساب فيتركها. قال الشاعر.
إذا ما خلوت الدهر يوماً فلا تقل *** خلوت ولكن قل علي رقيب
ومن آمن بمراقبة الله عز وجل له؛ أدرك أنه تعالى يسمع كلامه، ويرى مكانه ( وأن الله قد أحاط بكل شيء علما). فيراقب الله سبحانه في تعامله مع الناس، فيرعى حقوقهم، وينزلهم منازلهم، ويشكر محسنهم، ويعفو عن مسيئهم، ويحذر الظلم ويكون حريصاً على إتقان عمله، وسرعة إنجازه، واستثمار أوقاته في كل ما ينفع، فالعمل والوقت أمانة، والإنسان مسؤول عنهما يوم القيامة.
عباد الله: ما هي نتائج الإيمان بمراقبة الله تعالى لنا؟ إن الإيمان باسم الله الرقيب له أثره العظيم على الأفراد والمجتمعات، فهو يبني مجتمعاً منتجاً متميزاً، معطاء راقياً، تترسخ الأمانة بين أفراده في المعاملات، والصدق في الوعود والأقوال، وتتعزز الثقة بين الناس، فينعموا في الدنيا بحسن التعامل فيما بينهم، وتملأ المودة قلوبهم، وفي الآخرة يدخلون جنة ربهم، قال سبحانه: ( ولمن خاف مقام ربه جنتان).
أيها المسلمون، إن استحضار مراقبة الله تعالى لنا يكون باتباع أمره، واجتناب نهيه، فذلك شأن يحتاجه الكبير والصغير في كل مجالات الحياة، وقد أوصانا النبي صلى الله عليه وسلم وصية جامعة، فقال:( اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن).
وتذكروا دائماً قول الله تبارك وتعالى: ( ولذكر الله أكبر والله يعلم ما تصنعون).