إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، ونشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ونشهد أن محمداً رسول الله، صلى الله عليه وآله وسلم ورضي الله عن الصحابة الكرام وتابعيهم بإحسان، وبعد:
يقول الله عز وجل: ( وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير ) ويقول: ( أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم ).
أيها المسلمون إذا كانت المصائب كثيرة وأنواع البلاء متعددة فإن من فضل الله تبارك وتعالى أن شرع أسباباً لدفع ذلك البلاء، كما شرع أساب السلامة من المصائب، ألا وإن من المصائب أن يقع المسلمون في مصيبة الغفلة ولا يشعرون أنهم مصابون بها، وأن يقعوا في مصيبة القسوة ولا يعرفون كيف يتخلصون منها.
إن المصائب والبليات تكون في تدين المسلم وفي دنياه، فالأمراض المختلفة والغريبة أشار إلى التحذير منها النبي صلى الله عليه وسلم فقال في الحديث عن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما – قال: أقبل علينا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فقال: (يا معشر المهاجرين، خمسٌ إذا ابتليتم بهن وأعوذ بالله أن تدركوهن: لم تظهر الفاحشة في قوم قطُّ حتى يعلنوا بها إلا فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولم يُنقصوا المكيال والميزان إلا أُخذوا بالسنين وشدة المؤونة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا مُنعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوًّا من غيرهم فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيروا مما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم) رواه أحمد وابن ماجة بسند صحيح.
أيها المسلمون ألا وإن من المصائب والبلايا والشرور والرزايا أن تقسو القلوب وتضعف أو يعدم منها الخشوع فيحصل التجرؤ على ارتكاب المعاصي والمنكرات، ويحصل التقاعس والتكاسل عن أداء الواجبات، وتحل بالمجتمع البلايا والرزايا والسيئات، فهذا يعتبر من أعظم المصائب والشر.
إذا عرف ذلك فما هي الأسباب الشرعية لدفع البلاء واجتناب تلك المصائب؟
إننا نجد الإنسان إذا أصيب في جسده بأي مرض يجتهد اجتهاداً كبيراً في التداوي ويبذل لذلك الوقت والمال، وهذا أمر جميل ومن المطالب الشرعية ولكن يجب الاهتمام كذلك وأكبر من ذلك بتداوي القلوب ومجاهدة النفس لاستمرار صلاحها وإيمانها، ووسائل وأسباب ذلك كثيرة، ومن أعظمها التقوى، قال تعالى: ( ومن يتق الله يجعل له مخرجاً ويرزقه من حيث لا يحتسب) أي يجعل له مخرجاً من كل مصيبة ومخرجاً وخلاصاً ووقاية من كل بلاء.
وقوله (ويرزقه) هذا الرزق المذكور في الآية ليس مقتصراً على المال! بل يشمل الرزق في المال والرزق في الصحة والرزق في الهداية والرزق في السعادة والرزق في التوفيق للخير والسلامة من الشر، والرزق في صلاح النفس والذرية والرزق في الحب بين الزوجين، والرزق في تماسك الأسرة وانتشار المحبة الصادقة في الأرحام والإخوة والجيران، والرزق في البر والصلة وحسن الأخلاق والسلامة من سيء الأخلاق، وما إلى ذلك من أنواع الحصول على السرور، ودفع الشرور.
كذلك بين الله جل وعلا أن التقوى سبب لتيسير الأمور وتكفير السيئات وقبول الأعمال وصرف كيد الشيطان، قال تعالى:(إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكروا فإذا هم مبصرون) وقال سبحانه: ( يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً) أي فارقاً بين الخير والشر ، لأن الشبهة وعدم البصيرة في معرفة الحق من الباطل هذا من أعظم المصائب، فتقوى الله تتجلى بها الأمور وتتضح بها طريق النور والهدى من طريق الظلمات والردى وتتضح بها طريق الحق من طريق الظلم والضلال والباطل، كما في الآية الأخرى قال تعالى: ( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نوراً تمشون به ويغفر لكم ) وقال: ( إنما يتقبل الله من المتقين).
ألا واعلموا عباد الله أن من أسباب الوقاية من الشر شكر الله على نعمه، قال تعالى: ( ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكراً عليماً)، وقال تعالى: (وإذ تأذن ربكم لإن شكرتم لأزيدنكم..) أي أزيدكم في بسط النعمة وهي نعمة الهداية والتوفيق ونعمة الصحة وحسن الحال والمآل.
الخطبة الثانية
الحمد لله…
كذلك من الأسباب المهمة التوبة والاستغفار، قال تعالى: ( وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)، كذلك يا عباد الله من أعظم الأسباب الصدقة وصنع المعروف، فصنائع المعروف تقي مصارع السوء، ومن أعظم الأسباب أيضاً الدعاء والتضرع والابتهال بين يدي الله عز وجل، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: (لا يرد القدر إلا الدعاء فعليكم بالدعاء عباد الله فإن الدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل) رواه أحمد والترمذي بإسناد حسن، و عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء فيعتلجان إلى يوم القيامة)، رواه الحاكم وحسنه الألبانيفي صحيح الجامع ويقول عليه الصلاة والسلام (الدعاء هو العبادة)، أو كما قال عليه الصلاة والسلام.
اللهم ادفع عنا كل شر وارزقنا كل خير يا رب العالمين.