ما حكم تكرار العمرة؟

السؤال: بارك الله فيك شيخنا الجليل، أختي في مكة ( هي من سكان الدوحة ) سافرت تؤدي مناسك العمرة، وبعد تحللها من العمرة أرادت هي وزوجها وبناتها أداء العمرة مرة ثانية، ولكن بعض المعتمرين قالوا لهم لا يمكن! لابد أن تكون الفترة بين العمرتين أربعين يوماً.

ما مدى صحة ذلك؟

_______________________________

الجواب: الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على نبيه المصطفى ورسوله المجتبى ، وآله الطيبين النجباء، وبعد:

العمرة ليس لها وقت محدد، فكل العام وقت للعمرة، فيصح تكرارها في العام مرات كثيرة، بخلاف الحج فلا يصح أكثر من مرة في العام الواحد، لأن له وقتاً محدداً ومعلوماً، كما هو ثابت في القرآن والسنة وإجماع الأمة.

وإذا كان عند جمهور الفقهاء يجوز التكرار للعمرة ولا يكره ذلك فإن المقصود بالتكرار هو التكرار  في الشهر مرتين أو ثلاثاً مثلاً، لا أنه يعتمر كل يوم، قال شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (26/45): (والذي نص عليه أَحْمَد أَنَّهُ لا يُسْتَحَبُّ الإِكْثَارُ مِنْ الْعُمْرَةِ لا مِنْ مَكَّةَ وَلا غَيْرِهَا بَلْ يَجْعَلُ بَيْنَ الْعُمْرَتَيْنِ مُدَّةً وَلَوْ أَنَّهُ مِقْدَارُ مَا يَنْبُتُ فِيهِ شَعْرُهُ وَيُمْكِنُهُ الْحِلاقُ) (يعني حلق الشعر أو تقصيره)

وعائشة رضي الله عنها أحرمت متمتعة ثم ضايقها الحيض ولم تتمكن من أداء العمرة فأحرمت للحج وصارت قارنة فأدت حجاً وعمرة معاً جميعاً ثم اعتمرت بعد ذلك في أيام لما ألحت على النبي صلى الله عليه وسلم أعمرها من التنعيم، فكان لها عمرتان في نحو عشرين يوماً، قالت عائشة رضي الله عنها: قلت: يا رسول الله، يرجع الناس بعمرة وحجة، وأرجع أنا بحجة، قال: “وما طفت ليالي قدمنا مكة؟” قلت: لا، قال: “فاذهبي مع أخيك إلى التنعيم، فأهلي بعمرة, ثم موعدك كذا وكذا” رواه البخاري 1561, ومسلم 1211.

.والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) رواه البخاري في الحج، باب وجوب العمرة وفضلها برقم 1773، ومسلم في الحج. باب في فضل الحج والعمرة ويوم عرفة برقم 1349.

وقال ابن قدامة في المغني : وَلا بَأْسَ أَنْ يَعْتَمِرَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ , وَابْنِ عُمَرَ , وَابْنِ عَبَّاسٍ , وَأَنَسٍ , وَعَائِشَةَ , وَعَطَاءٍ , وَطَاوُسٍ , وَعِكْرِمَةَ , وَالشَّافِعِيِّ لأَنَّ عَائِشَةَ اعْتَمَرَتْ فِي شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .

وقال ابن قدامة في “المغني” : أيضاً، وَقَالَ عَلِيٌّ رضي الله عنه فِي كُلٍّ شَهْرٍ مَرَّةً . وَكَانَ أَنَسٌ إذَا حَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ . رَوَاهُمَا الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ . وَقَالَ عِكْرِمَةُ : يَعْتَمِرُ إذَا أَمْكَنَ الْمُوسَى مِنْ شَعْرِهِ . وَقَالَ عَطَاءٌ : إنْ شَاءَ اعْتَمَرَ فِي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْنِ . وقَالَ أَحْمَدُ : إذَا اعْتَمَرَ فَلا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْلِقَ أَوْ يُقَصِّرَ , وَفِي عَشَرَةِ أَيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرَّأْسِ” اهـ .

وذهب جماهير أهل العلم إلى مشروعية تكرارها في السنة أكثر من مرة. كما في (رد المحتار 2/472, والمجموع 7/149, وكشاف القناع 2/520،ومسند الإمام الشافعي 778, وعن طريقه البيهقي8730). وعند المالكية العمرة في العام مرة (مواهب الجليل 2/464-465)..

وقال ابن عبد البر: “ولا تصح العمرة عند الجميع إلا من الحل المكي وغير المكي، فإن بعد كان أكثر عملاً وأفضل، ويجزئ أقل الحل وهو التنعيم، وذلك أن يحرم بها من الحل فأقصاه المواقيت وأدناه التنعيم” (الاستذكار 4/115, وانظر: أضواء البيان 4/488).

وعن حصين قال: سألت سعيد بن جبير عن العمرة بعد الحج بستة أيام فقال: (اعتمر إن شئت) (ابن أبي شيبة13020).

فالخلاصة أنه يجوز على الصحيح تكرار العمرة في السفرة الواحدة بلا تحديد لها بأربعين يوماً، وإنما متى عاد نبت الشعر جازت العمرة الثانية.

والإحرام للعمرة ممن كان بمكة من أقرب مكان للحل، سواء كان ذلك التنعيم أو غيره.

وبالله التوفيق.