السؤال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، بارك الله فيك شيخنا الجليل وزادك الله نوراً على نور، شيخنا هل يجوز للمرأة المسلمة أو الرجل المسلم أن يحجا أو يعتمرا عن المسلم أو المسلمة الذين لم يحجا أو يعتمرا في حياتهما أبداً، سواء كانا حيين أو ميتين؟
الجواب:
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف المرسلين.
وبعد: فمن المعلوم قطعاً أن الحج إلى بيت الله الحرام أحد أركان الإسلام، ودعائمه الجسام، ومبانيه العظام، قال الله تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) سورة البقرة آية 196 ، وقال تعالى (وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) سورة آل عمران آية 97 وقال تعالى: (وَأَذِّنفِيالنَّاسِبِالْحَجِّ) سورة الحج آية 27 وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال : خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : ” أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج ، فحجوا ” رواه مسلم – كتاب الحج باب فرض الحج مرة في العمر – حديث:2456 وعن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( بني الإسلام على خمس شهادة الا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة والحج وصوم رمضان) متفق عليه وبمعناه عن أبي هريرة رضي الله عنه في الصحيحين وعن عمر رضي الله عنه في صحيح مسلم في قصة جبريل الطويل.
ولكن لا يجب إلا على المستطيع، والمستطيع من توفرت فيه الشروط التالية وهي:
الإسلام، والعقل، والبلوغ، والحرية، والزاد والراحلة، ويزاد في حق المرأة وجود الرجل من محارمها القادر على حمايتها، وهذا الشرط الأخير عند أكثر العلماء.
ومن مات بعد استطاعة الحج ولم يحج عن نفسه، وكذا من ملك الزاد والراحلة ولكنه عاجز بدنياً بسبب مرض لا يرجى برؤه ولا يثبت على الراحلة ، يخرج عنه من ماله ما يحج به عنه في مذهب جمهور الفقهاء، ويشترط في النائب عنه أن يكون قد حج عن نفسه.
وأما من لم تتوفر فيه شروط الاستطاعة المذكورة ومات قبل أن يحج ولم يترك مالاً، فإنه لا شيء عليه، ولا يلزم الورثة أن يحجوا عنه، ولا أن ينيبوا أحداً في الحج عنه، وإذا تطوع مسلم قد حج عن نفسه سواء من قرابته أو سواهم فحج عنه أو أناب من قد حج عن نفسه ليحج عنه فإنه يصح، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما أن امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت؛ أفأحج عنها؟ قال: “نعم، حجي عنها؛ أرأيت لو كان على أمك دين أكنت قاضية؟ اقضوا الله، فالله أحق بالوفاء” رواه البخاري كتاب الحج، باب الحج والنذور عن الميت حديث:1763 ، ولحديث ابن عباس أيضا رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم سمع رجلاً يقول :” لبيك عن شبرمة ، قال : ومن شبرمة؟ فقال أخ لي، أو قريب لي. قال: أفحججت عن نفسك ؟ قال لا . قال :” فحج عن نفسك، ثم حج عن شبرمة ” رواه ابن خزيمة في صحيحه ، كتاب المناسك ،حديث:2833 وأبو داود، في سننه، كتاب المناسك،حديث:1559، وقد قال بحج النيابة أبو حنفية ، والشافعي، وأحمد، وقال الإمام مالك ما خلاصته ( من يستطيع الحج بنفسه يحج بنفسه ومن لا يستطيع فلا ينيب غيره) بمعنى أن عنده كراهة النيابة، إذ لا يجب الحج إلا على المستطيع.
هذا ومن مات وقد وجب عليه الحج ولم يحج، أو نذر حجة ولم يحج، فالراجح من أقوال جمهور أهل العلم أنه يجب على وليه أن يخرج عنه من ماله ما يحج به عنه، سواء فاته الحج بتفريط، أو بغير تفريط، أوصى بذلك أو لم يوص، لحديث ابن عباس رضي الله عنهما المتقدم.
وكذلك العمرة، لقوله تعالى: (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ) سورة البقرة آية 196 ولحديث أبي رزين العقيلي رضي الله عنه ، قال: قلت: يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الظعن قال: «حج عن أبيك أو اعتمر» وفي لفظ ( حج عن أبيك واعتمر) أخرجه أبو داود: (1810)، والترمذي: (930)، والنسائي: (2621)،وابن ماجه: (2906)، في سننهم، وصححه الألباني.
فتبين من هذا أنه لا ينوب أحد عن أحد في الحج والعمرة إلا بهذه الشروط المعتبرة شرعاً …وبالله التوفيق.