قصر الصلاة والجمع للمسافر

قصر الصلاة والجمع للمسافر
قصر الصلاة والجمع للمسافر
قصر الصلاة والجمع للمسافر

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، صلى الله عليه وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي الله عن الصحابة الغر الميامين وتابعيهم بإحسان وعنا معهم إلى يوم الدين.

وبعد: فإن من الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة والحجج الواضحة على يسر دين الإسلام وأن الله عز وجل يريد بعباده اليسر ولا يريد بهم العسر، وأنه سبحانه ما جعل في دين الإسلام من حرج، ما لا يستطاع حصره، ومن تلك الأدلة قصر الصلاة الرباعية في السفر، فهو أمر ثابت بدلالة القرآن الكريم والسنة النبوية والإجماع، قال الله تعالى: ( وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة..) النساء101.
وأما في السنة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقد قال عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: ” إني صحبت رسول الله صلى الله عليه وسلم في السفر فلم يزد على ركعتين حتى قبضه الله ” رواه البخاري 2/577 فتح. ومسلم ح 8/689 واللفظ له، وعن عائشة رضي الله عنها قالت: (أول ما فرضت الصلاة ركعتين فأقرت صلاة السفر ، وأتمت صلاة الحضر ) رواه البخاري حديث رقم ١٠٩٠.ج٢ / ٧٢٤، فتح الباري  وصحيح مسلم بشرح النووي: ٥ / ٢٠١، كتاب صلاة المسافر وقصرها، حديث رقم ٢ من أحاديث الباب.

قال ابن القيم رحمه الله: ” في سياقه لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في السفر( وكان صلى الله عليه وسلم يقصر الرباعية فيصليها ركعتين من حين يخرج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة ، ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره ألبته) . [زاد المعاد 1/ 464].

قال ابن عبد البر النمري رحمه الله: (لأنها –أي قصر صلاة المسافر- سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي لم يزل عليها في أسفاره كلها) انظر الكافي1/244 وعن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما قال: ” إن الله قد فرض الصلاة على لسان نبيكم صلى الله عليه وسلم على المسافر ركعتين وعلى المقيم أربعاً ، وفي الخوف ركعة ” رواه مسلم 6/687، وأجمع العلماء على ذلك، انظر المغني لابن قدامة المقدسي الحنبلي3/124 ، والمجموع للنووي الشافعي4/342.

أما المسافة التي يحصل بها القصر فهي على قولين عند الفقهاء أن تبلغ أربعة وثمانين كيلو فأكثر وهذا الأشهر الذي تقتضيه الأدلة، والقول الثاني أن ذلك يعود إلى العرف، فما سمي سفرا فهو سفر، وحين نقول إن المسافة نحو أربعة وثمانين كيلو فمعناه أن القصر يبدأ من وقت اختفاء منازل القرية التي خرج منها مسافراً، والنبي صلى الله عليه وسلم صلى الظهر بالمدينة أربعاً وصلى العصر بذي الحليفة ركعتين، حين كان مسافراً إلى مكة المكرمة.

أما الأحكام فالقصر: المراد به رد الرباعية من أربع إلى ركعتين، والرباعية هي الظهر والعصر والعشاء، ولا قصر في صلاتي الفجر والمغرب بإجماع أهل القبلة، ويصح الجمع بين صلاتي الظهر والعصر تقديما أو تأخيرا، وبين المغرب والعشاء تقديما أو تأخيرا، ولا يصح الجمع بين العشاء والفجر ولا بين الفجر والظهر ولا بين العصر والمغرب بإجماع أهل القبلة، ولا يجوز تأخير المجموعتين عن وقت الأخيرة منهما فلا يجوز تأخير الظهر والعصر المجموعتين إلى غروب الشمس ولا تأخير المغرب والعشاء المجموعتين إلى ما بعد نصف الليل، كما لا يجوز تقديمهما عن وقت أولاهما.

من أدلة الجمع أحاديث منها عن أنس رضي الله عنه قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر إلى وقت العصر ثم نزل فجمع بينهما ، وإذا زاغت قبل أن يرتحل صلى الظهر ثم ركب . متفق عليه .وفي رواية لمسلم : إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخر الظهر حتى يدخل أول وقت العصر ثم يجمع بينهما، وفي رواية لمسلم : إذا عَجِلَ عليه السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر فيجمع بينهما ، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها وبين العشاء حين يغيب الشفق  رواه البخاري في كتاب الكسوف باب يؤخر الظهر إلى العصر إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس .وفي باب إذا ارتحل بعد ما زاغت الشمس صلى الظهر ثم ركب، ومسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، البخاري ( 0 1 / 374 ) ح ( 1059 ، 1060 ) ومسلم  ( 1 / 489 ) ح ( 704 )وعن معاذ بن جبل رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم (كان في غزوة تبوك إذا زاغت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين الظهر والعصر ، وإذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخّر الظهر حتى ينزل للعصر ، وفي المغرب مثل ذلك ؛ إن غابت الشمس قبل أن يرتحل جمع بين المغرب العشاء، وإذا ارتحل قبل أن تغيب الشمس أخّر المغرب حتى ينزل للعِشاء ثم جمع بينهما) واه الإمام أحمد ( 36 / 413 ) وأبو داود ( 2 / 5 ) والترمذي ( 2 / 438 ) بسند صحيح أصله في صحيح مسلم ( 4 / 1784 )، والصحيح أن كل من جاز له القصر جاز له الجمع لا العكس، وكثير من الفقهاء يقولون إن مدة القصر أربعة أيام لمن عين مدة إقامته، فإن لم يعين المدة وظل لا يدري متى يعود فهو في سفر.

الحكمة من القصر للمسافر هي: التخفيف والرحمة والتفضل من الله سبحانه وتعالى: إذ قد وصف السفر بأنه قطعة من العذاب كما ورد في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: ( السفر قطعة من العذاب…) رواه البخاري في صحيحه حديث رقم 1710 كتاب العمرة باب السفر قطعة من العذاب 1804 ومسلم كتاب الإمارة باب السفر قطعة من العذاب، واستحباب تعجيل المسافر إلى أهله بعد قضاء شغله رقم 1927

قد أجمع العلماء على مشروعية القصر للمسافر، ثم منهم من قال القصر واجب كالظاهرية والحنفية وغيرهم، ومنهم من قال القصر سنة كالشافعية والحنابلة في المعتمد عنهم، ومنهم من قال القصر سنة مؤكدة كالمالكية وقول لأحمد، والصحيح عدم الوجوب بدليل أن المسافر المؤتم يجب عليه الإتمام ولو كان القصر واجبا لوجب عليه أن يقصر في كل الأحوال، وتبدأ صلاة القصر للمسافر إذا غاب عن عمران بلده لسفر لا يقل عن ثلاثة وثمانين كيلو مترا سواء سافر برا أو بحرا أو جوا، أو أجمع الناس في تعارفهم أنه سفر، ولا يصح أن يقصر من بلده لأنه لا يسمى مسافرا فعلياً إلا بمفارقة العمران، وبالنسبة للمسافر جوا يعتبر مفارقا للعمران بمجرد دخوله صالة المغادرة، فله أن يقصر من صالة المغادرة، فإذا كان المطار بعيدا جدا عن بلده بحيث إذا وصل المطار غاب عنه عمران بلده فالمطار كله حينئذ مكان قصر له، ولا يضره مرور الطائرة فوق بلده بعيد الإقلاع، وهكذا عند العودة متى وصل المطار القريب من بلده فهو مقيم، وبعض أهل العلم بل أكثرهم قديما وحديثا يرى من باب الاجتهاد أن القصر وسائر الرخص لا تشمل  المسافر السفر المحرم والمكروه أو سفر للمعصية، أو السفر لأجل الترخص، ليجازى بنقيض قصده.

من غادر بلد الإقامة ووصل إلى بلاد السفر وما زال وقت الصلاة الرباعية موجودا، أو نوى تأخيرها إلى وقت الصلاة التي تليها مما يصح جمعه كالظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء جاز له الجمع والقصر، ومن غادر بلد السفر عائدا إلى بلده فوصل بلد الإقامة وما زال وقت الصلاة الرباعية موجودا، أو نوى تأخيرها إلى وقت الصلاة التي تليها مما يصح جمعه كالظهر مع العصر أو المغرب مع العشاء أداها تامة.

لا تلزم النية للقصر كما لا تلزم النية للإتمام نظرا للأصل، وإنما تكفي نية تعيين الصلاة في القلب، ويجوز أن يصلي المقيم بالمسافر والعكس، وفي كلتا الحالتين يجب على المؤتم مطلقا والإمام المقيم الإتمام، ويسن للإمام المسافر القصر كما لو أنه صلى منفردا، وله أن يكتفي من الرواتب والسنن بسنة الفجر والوتر، كما ذهب بعضهم إلى  أنه لا جمع بين الجمعة والعصر، بينما أجاز ذلك جمهور أهل العلم، كما يجب عليه التحري عن جهة القبلة بسؤال أهل تلك البلد أو النظر إلى مساجدها إن كان فيها مساجد، فإن صلى منفرداً استحب له الأذان والإقامة… وبالله التوفيق.